ذكر عبد القادر الحنفي (المتوفي: 775 هـ) في"الجواهر المضيّة"1/ 253 - في ترجمة سهل الصّعلوكىّ الفقيه الحنفي-:
"أنه خرج عليه يوما وهو في موكبه من سجن همام يهودي في إطمار سحم من دخانه، قال: ألستم تروون عن نبيكم (أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) وأنا عبد كافر وترى حالي وأنت مؤمن ونرى حالك، فقال له: الحمد لله إذا صرت غدا إلى عذاب كانت هذه جنتك، وإذا صرت أنا إلى نعم الله ورضوانه كان هذا سجني".
وذكر الْمُناوي في"شرح الجامع الصغير":
"أن الحافظ ابن حجر لما كان قاضي القضاة مر يومًا بالسوق في موكب عظيم وهيئة جميلة، فهجم عليه يهودي يبيع الزيت الحار، وأثوابه متلطخة بالزيت، وهو في غاية من الرثاثة والشناعة، فقبض على لجام بغلته، وقال: يا شيخ الإسلام، تزعم أن نبيكم قال: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) ، فأي سجن أنت فيه، وأي جنة أنا فيها؟ فقال: أنا بالنسبة لما أعد الله لي في الآخرة من النعيم كأني الآن في السجن، وأنت بالنسبة لما أعد لك في الآخرة من العذاب الأليم كأنك في جنة، فأسلم اليهودي".
فالمؤمن مهما بلغ من النعيم في هذه الدنيا فهو لا يساوي شيئا عند نعيم الآخرة، والكافر مهما بلغ من العذاب والبؤس في هذه الدنيا فهو لا يساوي شيئا بالنسبة لما أعده الله له من العذاب الأليم، أعاذنا الله من عذاب الجحيم.
قوله (وجنة الكافر) الكافر ليس له تقوى ولا إيمان يقيده، فهو طليق في هذه الدنيا كأنه في جنة يتناول منها ما يشاء، منفك عن التكاليف مطلق رسنه لا يراقب أمرًا فكأنه غير مكلف، آمن من تلك المخاوف مقبل على لذته منهمك فيها فاستحق حرمان الأمن في الآخرة، وأما المؤمن فهو يعلم أنه إن صبر انقضى الخوف وأعقبه الأمن، فهو محتاج إلى قوة صبر، وقوة يقين بما يصير إليه، قال تعالى ما يتحدثون به هناك وأنهم يقولون {إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين} .