المقصود بموقف الإسلام من الإجراءات العملية أراء الفقهاء والعلماء والباحثين والمجامع الفقهية والفتاوى الصادرة عن هؤلاء العلماء والهيئات الشرعية وبيان الحكم الشرعي من هذه الإجراءات العملية والقانونية.
الأصل في المسلم غير المتخصص في الشريعة الإسلامية أن يرجع إلى العلماء المتخصصون في الشريعة الإسلامية، والمجامع الفقهية عندما يقع في إشكالية أو مسألة شرعية، وأنه لا يقدم على عمل حتى يعرف حكمه الشرعي، ولكن في زماننا أصبح الناس لا يتحرجون في إطلاق الفتاوى في قضايا لو عرضت على عمر رضي الله عنه لجمع لها كبار الصحابة، ومن هنا وقع المسلمون في الغرب في حرج واضطراب شديدين من جراء الفتاوى التي تصدر من هنا وهناك من أناس لا يصلحون للفتوى وليسوا أهلا لها. ومن أجل إيجاد مخرج لمثل هذه المسائل وجدت المجالس والمجامع الفقهية والمؤسسات الإسلامية في الغرب، لدراسة المستجدات والنوازل ومحاولة الوصول لتوحيد الفتوى في الغرب، وإخراج المسلمين من هذا الاضطراب. وعلى هذا تعين على المسلمين معرفة موقف الشريعة من إشكالية توثيق الزواج من عدمه في محاكم وبلديات الدول الغربية، والذي تباينت فيه الآراء وتعددت فيها الفتاوى بين محلل ومحرم؟ وبين معارض ومؤيد؟ وهل يقدم العقد الشرعي على العقد القانوني أم العكس؟ وهل يجوز الاكتفاء بأحدهما أم يجب الجمع بينهما في يوم واحد؟ وبعد النظر يمكن أن نستنتج عدة اتجاهات في هذه المسألة منها:
أولا: اتجاهات الساحة الإسلامية في موقفها من إشكالية توثيق الزواج من عدمه في بلديات الدول الغربية
1)- الاتجاه المتشدد: الذي يعتبر توثيق وتسجيل عقد الزواج لدى السلطات الرسمية للدولة غير ضروري، لأن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والمسلمون من بعدهم لم يكونوا يوثقون عقود زواجهم، بل كانوا يكتفون بإجرائه مشافهة مع حضور الولي والشهود وجماعة من المسلمين. وتسجيله لدى السلطة ليس ركن من أركانه ولا شرط من شروطه، وعلى هذا فإن إبرام العقد وتسجيله في المحاكم وبلديات الدول الغربية مخالف للشريعة الإسلامية، فلا يجوز للمسلم الاحتكام إلى نظام وقانون وضعي.
وهذا الكلام غير سليم فالتوثيق مشروع بالكتاب والسنة وعمل الصحابة والمسلمين من بعدهم. وقد أشار القرآن إلى ذلك ضمنيا، وأمر بكتابة الدين ويقاس عليه بقية العقود ومنها عقد الزواج. وأن الأوائل لم يهتموا بتوثيق عقود الزواج بالكتابة نظرا لوجود الإيمان والأمان والاستقامة والأخلاق الفاضلة، ولكنهم كانوا يوثقونه بالشهادة، ولما تغيرت أحوال الناس وأخلاقهم وبدؤوا يتزوجون على مقدم ومؤخر الصداق دعت الحاجة إلى توثيقه. أما في عصرنا فقد فقدت الشهادة في عقد الزواج قيمتها الشرعية لفساد الذمم، وشيوع الكذب وشهادة الزور، والعوارض التي قد تحدث للناس، فأصبح التوثيق واجب شرعي يأثم تاركه، وواجب قانوني يعاقب على مخالفته.