فهذه الحكم كلها تحقق مصلحة معتبرة شرعا، فالأولى مراعاتها في زواج المسلمين، واشتراط الولي عند الجمهور، لا يعني تقييد حرية المرأة، ولا إسقاط حقها في اختيار من ترضى به زوجا، فهي أحق بنفسها من وليها في الإذن والرضا، فلها الحرية في قبول أو رفض من تقدم يطلب يدها، كما لا يجوز للأب أو غيره أن يجبر المرأة البالغة العاقلة، أو يكرهها بالزواج بمن لا ترضى به زوجا، كما لا يجوز له أن يمنعها من الزواج بمن رغبت فيه ورغب فيها بشرط الكفاءة في الدين والخلق. وهذا ما سماه الفقهاء بالعضل. فما المقصود بالعضل في الزواج ومتى يكون الولي عاضلا وما حكم ذلك؟
العضل في اللغة: بمعنى الحبس والمنع من الشيء.
واصطلاحا: منع المرأة من التزويج بكفئها إذا طلبت ذلك ورغب كل واحد منهما في صاحبه [1] . وقد نهى الله تعالى في القرآن عن العضل بقوله:"فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف" [2] . قال معقل بن يسار:"زوجت أختا لي من رجل فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها، جاء بخطبها فقلت له:"زوجتك وأفرشتك وأكرمتك، فطلقتها، ثم جئت تخطبها، والله لا تعود إليك أبدا، وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية: (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، فقال فزوجها إياه"رواه البخاري [3] ."
ومن العضل منع الولي تزويج موليته من كفء رغبت فيه ورغب فيها.
ومن العضل أن يعترض الولي على موليته من الرجوع إلى زوجها الذي طلقها إذا رغبت فيه ... وقد اعتبر العلماء تكرار عضل الولي بغير سبب شرعي وجيه فسق، تنتقل به الولاية إلى السلطان [4] . وبناء على ما تقدم من نهى الأولياء عن العضل، من غير سبب مشروع، دعا الإسلام إلى الإسراع بتزويج البنت إذا بلغت، وطلبت ذلك حتى لا يقع الولي في الإثم والظلم، وبذلك يكون قد أذى واجبه الشرعي.
1)- عرض الولي موليته على أهل الدين والصلاح إذا رأى في ذلك مصلحة للبنت وقد فعل ذلك السلف الصالح من الصحابة والتابعين.
(1) الفقه الإسلامي وأدلته -الدكتور وهبة الزحيلى ج 7/ص 215
(2) سورة البقرة الآية رقم 232
(3) صحيح البخاري- كتاب النكاح باب من قال لا نكاح إلا بولي رقم 5130/ص 1308
(4) انظر الفقه الإسلامي وأدلته الدكتور وهبة الزحيلى ج 7/ص 217