الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى أصحابه الغر الميامين، وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
فإن البناء الشرعي الذي تقوم عليه الأسرة المسلمة هو نظام الزواج في الشريعة الإسلامية، وهو الشكل الوحيد للعلاقة المشروعة بين الرجل والمرأة. وقد اهتمت به الأديان السماوية، والقوانين الوضعية، والنظم الاجتماعية، ووضعت له نظما وتشريعات. من هنا جاءت فكرة توثيق الزواج في الدوائر الرسمية للدولة، حيث تعتبر هذه الإشكالية نازلة من نوازل العصر، تضاربت فيها الآراء، واختلفت فيها الأقوال والفتاوى. وقد اقتضت ظروف العصر كتابة وتوثيق العقود، في جميع المجالات والمعاملات المدنية والأحوال الشخصية، ومنها عقد الزواج لخطورته وأهميته وتميزه عن بقية العقود حيث احتاطت له الشريعة فاشترطت له التوثق والإعلان بالشهادة، ونظرا لكون الشهادة أصبحت وسيلة غير مأمونة لتغير أحوال الناس وفساد الذمم، وضعف الثقة، والعوارض التي قد تحدث للناس من الغفلة والنسيان والموت، والرجوع عن الشهادة والغياب المنقطع وجب الانتقال إلى وسيلة مأمونة في هذا العصر وهى التوثيق بالكتابة الرسمية قال الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور رحمه الله: (فمتى ضعف الوازع الديني في زمن، أو قوم، أو في أحوال يظن أن مخالفة الشرع في مثلها أنوى على أكثر النفوس من الوازع الديني. هنالك يصار إلى الوازع السلطاني، فيناط التنفيذ بالوازع السلطاني كما قال عثمان رضي الله عنه"يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" [1]
وبناء على ذلك دعت قوانين الأحوال الشخصية والمدنية في الدول العربية والإسلامية إلى توثيق الزواج رسميا بالكتابة حيث أصبحت الوثيقة الرسمية في عصرنا مقدمة في الإثبات عن بقية الوسائل يعتمد عليها في القضاء والقانون في إثبات الزواج عند الإنكار والجحود.
وهذا البحث يتناول إشكالية توثيق الزواج من عدمه بين الشريعة والقانون. فما مدى مشروعية توثيق الزواج في الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية؟ وما هي الدوافع التي أدت إلى الدعوة إلى توثيق الزواج؟ وهل توثيق الزواج يحفظ الحقوق ويدرأ المفاسد المترتبة على عدم التوثيق، ويحقق المقاصد الشرعية من الزواج في الإسلام؟ وما هي
(1) مقاصد الشريعة الإسلامية - الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور رحمه الله- ص 125 - وجاء في أحكام القرآن لابن العربي ج 3/ص 474
روى أشهب قال قال مالك بن أنس قال عثمان"ما يزع الناس السلطان أكثر مما يزعهم القرآن، قال مالك يعنى يكفهم"