يقول الشيخ مخلوف:"عقد الزواج إذا استوفى أركانه وشروطه الشرعية، تحل به المعاشرة بين الزوجين، وليس من شرائطه الشرعية إثباته في وثيقة رسمية أو غير رسمية، إنما التوثيق لدى المأذون أو الموظف المختص نظام أوجبته اللوائح والقوانين الخاصة بالمحاكم الشرعية، خشية الجحود وحفظا للحقوق وحذرت من مخالفته لما له من النتائج الخطيرة عند الجحود" [1]
وعلى هذا فالقانون رتب قبول سماع الدعوة عند إنكار الزواج أن يكون ثابتا بوثيقة رسمية، والشريعة اشترطت مراعاة الأركان والشروط وخلوه من الموانع الشرعية، ولكن إلزام الحاكم الناس توثيق الزواج من باب المصلحة حفظا للحقوق. وقد دلت السنة على وجوب توثيقه بالشهادة، وقد كانت الشهادة في الماضي وسيلة للتوثيق دون الكتابة، ثم كان أمر الكتابة والإشهاد عليها، ونظرا لكون وسيلة الأشهاد في عصرنا أصبحت غير مأمونة لفساد الذمم والأخلاق، وشيوع الكذب وشهادة الزور، والعوارض التي قد تحدث للشهود [2] . لجأت القوانين إلى وسيلة مأمونة وهى التوثيق بالكتابة خشية الجحود، وحذرت من مخالفة التوثيق للمفاسد المترتبة على ذلك. وقد نص العلماء على أن للحاكم تقييد المباح مراعاة للمصلحة) [3] (قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:"تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور". قال الزرقانى:"ومراده أن يحدثوا أمورا تقتضى أصول الشريعة فيها غير ما اقتضته قبل حدوث ذلك الأمر" [4] . فمن باب السياسة الشرعية عند تغير الزمان والمكان وأحوال الناس وأعرافهم إحداث نظم وقوانين تحفظ للناس حقوقهم ومصالحهم لضعف الوازع الديني فيصار إلى الوازع السلطاني قال عثمان بن عفان رضي الله عنه:"وما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن" [5] . فإذا كانت الحكمة من الإشهاد في الزواج للتوثق والاحتياط والإعلان، فإن توثيقه بالكتابة سبب لإشهاره وإعلانه وزيادة في
(1) الفتاوى الشرعية الشيخ حسنين محمد حسنين مخلوف ج 2/ص 55
(2) انظر مستجدات فقهية في قضايا الزواج والطلاق - أسامة عمر سليمان الأشقر ص 134
(3) السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها الدكتور الشيخ القرضاوى ص/209
(4) المرجع السابق-قال الشيخ يوسف القرضاوى ص 290"قال أن الأثر- تحدث للناس أقضية- قاله الإمام مالك والظاهر أن الأثر مروى عن عمر"
بن عبد العزيز رضي الله عنه واستحسنه الإمام مالك فقال به كما ورد في شرح الزرقانى للموطأ
(5) مقاصد الشريعة الإسلامية الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور ص 128