ومثله قول الشافعى -رضى اللَّه عنه-:"ما وجدت عليه متقدمى أهل المدينة فلا يدخل قلبك شك أنه الحق" [1] .
وأما القول في المزامير والملاهى، فقد وردت الأحاديث الصحيحة بجواز استماعها، فمن ذلك:
ما روى عن على بن أبى طالب -رضى اللَّه عنه- قال: سمعت رسول -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول:"ما هممت بشئ مما كان أهل المدينة يفعلونه غير مرتين، كل ذلك يحول بينى وبين ما أريد من ذلك، ثم ما هممت بعدها بشئ حتى أكرمنى اللَّه -عز وجل- برسالته" [2] .
وهذا الأمر وإن كان قبل النبوة والرسالة، ونزول الأحكام أو الفرق بين الحلال والحرام، فإن الشرع كما ورد وأمره اللَّه -عز وجل- بالبلاغ والإنذار أقره اللَّه على ما كان عليه في الجاهلية، ولم يحرّمه كما حرم ما عصمه اللَّه عنه مما همّ به في كلتا الليلتين، وعصمه عن ذلك الأمر [3] .
والذى يدل على أنه باق على الإباحة، قول اللَّه -عز وجل-: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [4] .
وبيان ذلك ما روى عن جابر قال: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يخطب قائمًا ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائمًا. يخطب خطبتين. وكن الجوارى إذا أنكحوهن يمرون يضربون بالدف والمزامير فيتسلل الناس، ويدعون رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قائمًا فعاتبهم اللَّه -عز وجل- فقال: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [5] .
(1) مناقب الشافعى: ص 196 تحقيق الدكتور عبد الغنى عبد الخالق.
(2) الحديث أخرجه البخارى في صحيحه، وانظر: البخارى بشرح القارئ 19/ 108.
(3) السماع: ص 71.
(4) سورة الجمعة الآية: 11.
(5) انظر: البخارى: 6/ 247، ومسلم: باب الجمعة 589/ 590.