الأول: لأنَّ هذا الموضوع من التّفقه في الدين، وقد حث عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ... » [1] فظهر جليا، أن من ألهمه الله التفقه في الدين، وهو معرفة علوم الدين من توحيد، وتفسير، وحديث، وفرائض، وأحكام، ظهرت عناية الحق به، وإنه أراد به خيرا عظيما، إذ أن مفهوم الحديث؛ أنَّ من لم يفقِّهه الله في الدين، ولم يرشده، لم يرد به خيرا، فهذه منقبة عظيمة لمن يسّر الله له التفقّه في الدين.
الثاني: نفس الموضوع ذو أهمية كبيرة، لتربية الفرد، والأسرة، والمجتمع، لأنَّ هذه الأحاديث كلها تتعلق بموضوع، كلُّ واحد من المسلمين بحاجة إلى معرفته، وهو العقوبات المعنوية للذنوب التي تكون بين العبد وبين الله، أو تكون وبين العباد فيما بينهم، سواءٌ شرع بحقها حدٌّ أو لا، حيث أنَّ العقوبة المعنوية في حد ذاتها زاجرةٌ قويَّةٌ، ورادعةٌ شديدةٌ، للمنهمكين في المعاصي، وزلزلة عظيمة، تهزّ الغارقين فيها، ليست أقلَّ تأثيرًا من العقوبات الحسية، ونبراسٌ منيرٌ للراغبين في طلب العلم.
من الأسباب التي دعتني إلى هذا الموضوع، واختياره كبحث أكاديمي، أقدمه لنيل درجة الدكتوراه في فقه السنة ما يلي:
1 -العناية الخاصة بفقه العقوبات المعنوية، لكونها من أهمِّ الأسباب لاجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
2 -شدة الحاجة إلى الموضوع وعدم قيام أحد من الباحثين حسب علمي بجمعه، في بحث مستقل، أو في رسالة علمية مستقلة.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، رقم الحديث: 1/ 25، الرقم: 71، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب قوله - صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم» ، رقم الحديث: 3/ 1524، الرقم: 1037.