قال النووي رحمه الله:"هذا الحديث يتأول تأويلين ... أحدهما: حمله على من يستحل القطيعة، بلا سبب"
ولا شبهة
مع علمه بتحريمها، فهذا كافر يخلد
في النار ولا
يدخل الجنة أبدا، والثاني: معناه ولا يدخلها في أول الأمر مع السابقين، بل يعاقب بتأخره القدر الذي يريده الله تعالى" [1] . 5 - قال ابن بطال الله تعالى عبده إذا وصل رحمه، فهو تعطفه عليه بفضله، إما في عاجل دنياه أو آجل آخرته" [2] . وهو جزاء من جنس العمل، سواءٌ في الوصل أو القطع، إذا واصل مع أقربائه واصل الله تعطفه ورحمته إليهم، فإذا قاطعوهم المعروف، والإحسان، قطع الله عنهم إحسانه وفضله. وقال ابن الجوزي:"وهذا الحديث لا يخلو معناه من أحد شيئين: إما أن يراد أن الحق عز وجل يراعي الرحم، بوصل من وصلها، وقطع من قطعها، والأخذ لها بحقها، كما يراعي القريب قرابته، فإنه يزيده في المراعاة على الأجانب، أو أن يراد أن الرحم بعض حروف الرحمن، فكأنه عظم قدره بهذا الاسم" [3] . أخرج البخاري بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي
الله عنه -
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ
اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وإن يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» [4] . دلَّ
الحديث على أنَّ
من أحب أن يوسع الله عليه رزقه وعيشه، وطوَّل الله عمره وبقائه، فعليه بصلة الرحم، وقطع صلة الرحم يكون سببًا في تقليل الأمطار، والأرزاق، والأعمار، فهذه الأشياء كلّها عقوبات معنويات في من قطع صلة الرحم، فهو يكون محروما من بركة العمر، وزيادته، وتوسعة العيش، والحياة، وقبل كلّ ذلك يكون من دخول الجنة.
الحديث الواحد والستون (61) أخرج البخاري بسنده عَنْ سَعْدٍ - رضي الله عنه -، قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، يَقُولُ: «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ» [5] . فذكرته لأبي بكرة، فقال: وإنا سمعته أذناي ووعاه قلبي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" [6] "
المعنى الإجمالي للحديثين قال الطيِّبي:"والادعاء إلي غير الأب مع العلم به حرام، فمن"
اعتقد إباحته
كفر لمخالفة الإجماع، ومن لم يعتقد إباحته، فمعنى كفره وجهان: أحدهما أنه أشبه فعله فعل الكفار، والثاني: أنه كافر نعمة" [7] ."
(1) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي، 16/ 114.
(2) شرح صحيح البخارى لابن بطال، 22/ 93.
(3) كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي، 3/ 405.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب: لا يسب الرجل والديه، 8/ 3، رقم الحديث: 5973، في سننه، كتاب الأدب، أبواب النوم، باب في بر الوالدين، رقم الحديث: 5141.
(5) أخرجه البخاري باب من ادعى إلى غير أبيه، 8/ 156، رقم الحديث:
6766، أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم، 1/ 80، رقم الحديث: 115.
(6) أخرجه في صحيحه، كتاب الفرائض، باب من ادعى إلى غير أبيه، 8/ 156، رقم.
(7) الكاشف عن حقائق السنن للطيِّبي، 7/ 2363، الرقم: 3314.