أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - تأولوا قوله: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [1] على جميع أنواع الظلم، فبين الله أن مراده بذلك الظلم الشرك خاصة بقوله تعالى: {إِن الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [2] ، فوجب بهذا حكم المفسر على المجمل، وهذا قول الجمهور، وقد احتج بهذا الحديث من قال: إن الكلام حكمه العموم، حتى يأتى دليل الخصوص" [3] ."
وقال الحافظ ابن حجر:"أنَّ الصحابة فهموا من قوله بظلم عموم أنواع المعاصي ولم ينكر عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك وإنما بين لهم أن المراد أعظم أنواع الظلم وهو الشرك ... فدل على أن للظلم مراتب متفاوتة" [4] .
الفرع الرابع
عقوبة الغلو في الصالحين وبناء المساجد على قبورهم
وتحته ثلاثة أحاديث
الحديث الثاني (2)
الحديث الأول: أخرج البخاري بسنده عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، وَأُمّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَتَتَا أَرْضَ الحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «أُولَئِكِ إِذَا مَاتَ مِنْهُمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةَ أُولَئِكِ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ» [5] .
(1) سورة الأنعام: 82.
(2) سورة لقمان: 13.
(3) شرح صحيح البخارى لابن بطال، 1/ 89.
(4) فتح الباري لابن حجر، 1/ 87.
(5) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب بناء المسجد على القبر، 2/ 90، رقم الحديث: 1341، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد، على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد، 1/ 375، رقم الحديث: 528.