وفي هذا رد على من قال في مسألة الانغماس والحمل على العدو أن المنغمس يُقتل بأيدي الكفار وسلاحهم! فنقول ومسألة التترس يقتل بأيدي المسلمين وسلاحهم ومع ذلك لم يعتبروا قتل المسلمين المتترس بهم من باب القتل الذي جاء الوعيد فيه.
ثانيا: مسألة البيات:
ويقصد بها تبيت العدو ليلا وقتله والنكاية فيه وإن تضمن ذلك قتل من لا يجوز قتله من صبيان الكفار ونسائهم، قال ابن قدامة: يجوز تبييت العدو، وقال أحمد: لا بأس بالبيات وهل غزو الروم إلا البيات، وقال: لا نعلم أحدًا كره البيات. المغني مع الشرح
ووجه الدلالة أنه إذا جاز قتل من لا يجوز قتله من أجل النكاية في العدو وهزيمته فيقال: وكذلك ذهاب نفس المجاهد المسلم التي لا يجوز إذهابها لو ذهبت من أجل النكاية جائز أيضًا، ونساء الكفار وصبيانهم في البيات قتلوا بأيدي من لا يجوز له فعله لولا مقاصد الجهاد والنيات.
الخلاصة ..
دل ما سبق على أنه يجوز للمجاهد التغرير بنفسه في العملية الاستشهادية وإذهابها من أجل الجهاد والنكاية بهم ولو قتل بسلاح الكفار وأيديهم كما في الأدلة السابقة في مسألة التغرير والانغماس، أو بسلاح المسلمين وأيديهم كما في مسألة التترس أو بدلالةٍ تسبب فيها إذهاب نفسه كما في قصة الغلام، فكلها سواء في باب الجهاد لأن باب الجهاد لما له من مصالح عظيمة اُغتفر فيه مسائل كثيرة لم تغتفر في غيره مثل الكذب والخداع كما دلت السنة، وجاز فيه قتل من لا يجوز قتله، وهذا هو الأصل في مسائل الجهاد ولذا أُدخلت مسألة العمليات الاستشهادية من هذا الباب.
أما مسألة قياس المستشهد في هذه العمليات الاستشهادية بالمنتحر فهذا قياس مع الفارق، فهناك فروق بينهما تمنع من الجمع بينهما، فهناك فرق بين المنتحر الذي يقتل نفسه جزعا وعدم صبر أو تسخطا على القدر أو اعتراضا على المقدور واستعجالا للموت أو تخلصا من الآلام والجروح والعذاب أو يأسا من الشفاء بنفس خائفة يائسةً ساخطة في غير ما يرض الله وبين نفس المجاهد في العملية الاستشهادية بنفس فرحة مستبشرة متطلعة للشهادة والجنة وما عند الله ونصرة الدين والنكاية بالعدو والجهاد في سبيله لا يستوون، قال تعالى (أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون) وقال تعالى (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون) وقال تعالى (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) .
نسأل الله أن ينصر دينه ويعز جنده ويكبت عدوه وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أملاه فضيلة الشيخ
أ. حمود بن عقلاء الشعيبي (رحمه الله وغفر له)
2/ 3 / 1422 هـ
446 ـ وروى ابن المبارك وابن أبي شيبة، عن مدرك بن عوف الأحمسي قال: كنت عند عمر - رضي الله عنه - إذ جاءه رسول النعمان بن مقرن، فسأله عمر عن الناس؟ فقال: أصيب فلان وفلان وأخرون لا أعرفهم فقال عمر - رضي الله عنه: لكن الله يعرفهم. فقال: يا أمير المؤمنين ورجل شرى نفسه. فقال مدرك بن عوف