فهرس الكتاب

الصفحة 290 من 386

ومنهم من إذا دهمه القتال يقاتل مقبلًا غير مدبر ليس له نية البتة غير الدفع عن نفسه، وهذا قريب من أصحاب النية الثالثة وليس مثلهم، وهو شهيد لأن من دفع عن نفسه قطاع الطريق فقتلوه كان من الشهداء، فكيف لا يكون شهيدًا من قتل بسيوف الأعداء بل هو شهيد في الفضل والحكم.

والمقاتل من هؤلاء ـ مع علمه أنه يسلم إذا استسلم ـ أفضل من المقاتل الذي يعلم أنه إذا أستسلم قتلوه والله أعلم.

وأما من فرحيث يحرم الفرار فقتل مدبرًا فهذا وإن جرت عليه أحكام الشهداء في هذه الدار، فإنه ليس بشهيد.

522 ـ لما رواه مسلم عن أبي قتادة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قام فيهم فذكر: (( أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال ) )فقام رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( نعم، إن قتلت في سبيل الله، وأنت صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر ) )ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( كيف قلت؟ ) )قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( نعم، وأنت صابرًا محتسب، مقبل غير مدبر إلا الدين فإن جبريل قال لي ذلك ) ).

فدل هذا الحديث على أنه من قتل مدبرا حيث لا يجوز له الفرار أنه ليس بشهيد، بل قد باء بغضب من الله وسخطه لقوله تعالى {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَاوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16 ) ) } فأين هذا من الفوز برتبة الشهداء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

521 ـ الحاكم في المستدرك، في الجهاد، قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. (ص 619 رقم: 1029) .

522 ـ رواه مسلم في الاماره، باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه الا الدين

ـ مالك في الموطا في الجهاد، باب الشهداء في سبيل الله. (ص 621 رقم: 1030) .

523 ـ وقد ذكر النووي في شرح مسلم: أن الشهداء ثلاثة أقسام: شهيد في الدنيا والآخرة، وشهيد في الآخرة دون أحكام الدنيا، وهو المطعون، والمبطون، والغريق، وأشباههم، وشهيد في الدنيا دون الآخرة، وهو من غل في الغنيمة أو قتل مدبرًا.

ومنهم من يخرج إلى الجهاد مكثرًا سواد المجاهدين ليس له نية أن يَقْتُلْ ولا ُيْقَتل، وهذا إذا قتل شهيد لأن من كثر سواد قوم فهو منهم.

524 ـ وقد روى البزار والبيهقي في الشعب، وغيرهما، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، قال: قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( الشهداء ثلاثة: رجل خرج بنفسه وماله في سبيل الله لا يريد أن يقاتل ولا يقتل، يكثر سواد المسلمين، فإن مات أو قتل غفرت ذنوبه كلها، وأجير من عذاب القبر، ويؤمن من الفزع، ويزوج من الحور العين، وحلت علية حلة الكرامة، ويوضع على رأسه تاج الوقار والخلد ) ). الحديث ويأتي بتمامه ـ في الشهداء ـ إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت