وقد حكى القاضي أبوبكر بن العربي في كتابه سراج المريدين، اجماع الأمه على انه لايتعجل الأكل والنعيم إلا الشهيد في سبيل الله تعالى.
ومنها: أن الشهداء لايفتنون في قبورهم ولايصعقون عند نشورهم.
وقد ثبت أن المرابط في سبيل الله لا يفتن في قبره فالشهيد أولى وأحرى.
600ـ وعن راشد بن سعد، عن رجل من اصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -،أن رجلًا قال: يارسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: (( كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة ) )رواه النسائي.
وسيأتي في جملة من الاحاديث أن الشهيد يجار من عذاب القبر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
599 ـ رواه مسلم في الاماره، باب بيان ان ازواج الشهداء في الجنه، وانهم احياء عند ربهم يرزقون. بلفظه. (ص 728 رقم 1139) .
600 ـ رواه النسائي، في الجنائز، باب في الشهيد. (ص 735 رقم: 1143) .
قال المؤلف عفي الله عنه: ومعنى قوله: (( كفى ببارقة السيوف علي راسه فتنة ) )والله اعلم، أن
الفتنه في القبر بسؤال الملكين، إنما هو الاختبار ما عند المؤمن من حقيقه الايمان والتصديق، ولا شك أن من وقف للقتال ورأى السيوف تلمع وتقطع والأسنة تبرق وتخرق، والسهام ترشق (1) وتمرق (2) والروؤس تندر والدماء تثعب (3) والأعضاء تتطاير، والناس بين قتيل وطريح وجريح، فثبت على ذلك، ولم يُوَلِّ الدبر، ولم ينهزم وجاد بنفسه لله تعالى إيمانًا به وتصديقًا بوعده ووعيده، كما وصف الله سبحانه وتعالى المؤمنين بقوله: {وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22) } [النساء: 22] فيكفيه هذا امتحانًا لإيمانه واختبارًا له وفتنه، إذ لوكان عنده شك أو ارتياب لولى الدبر وذهل عما هو واجب عليه من الثبات، وداخله الشك والارتياب، كما قال تعالى: {يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) } [الاحزاب: 12] فيكفي الشهيد هنا الامتحان من سؤال الفتان، والله أعلم.
601 ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم: (( أنه سأل جبريل عن هذه الآية {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ(68) } [الزمر: 68] قال: هم الشهداء يبعثهم الله متقلدين أسيافهم حول عرشه، فأتاهم ملائكة من المحشر بنجائب (4) من ياقوت أزمتها الدر الأبيض برحال الذهب اعنّتها السندس (5) والاستبرق (6) ونمارقها ألين من الحرير، مد خطاها مد أبصار الرجال يسيرون في الجنة على خيول، يقولون عند طول النزهة:
انطلقوا بنا ننظر كيف يقضى بين خلقه، يضحك الله إليهم، وإذا ضحك الله إلى عبد في موطن فلا حساب عليه )) .خرجه بن أبي الدنيا في كتاب صفة الجنة والحاكم مختصرًا، وقال: صحيح الإسناد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال في الصحاح: الرشق الرمي، وقد رشقته بالنبل أرشقه.