صور ذو خبرة ومعرفه، وقال: أريد منك أن تتحيل في إحضار فلان البطريق من القسطنطينية، فقال أريد: أن أنشيء مركبًا بمجاذيف مخفية يَلحَق ولا يُلحَق، فقال له: أفعل ما بدا لك ومكنه من كل ما يحتاج إليه، فلما كملت أوسقها من كل طرفة وتحفة وأعطاه اموالًا جزيلة وقال: اذهب إلى القسطنطينية كأنك تاجر فبع واشتري وأهد لوزير الملك وبطارقته وخاصته خلا ذلك البطريق فلا تقربه ولا تهاديه، فإذا أعتبك على ذلك فقل له: ما عرفتك ولكن سأضاعف لك في عودتي فإنه لم يبق معي ما يصلح لمثلك.
ففعل ذلك ثم رجع إلى معاوية فأخبره بما صنع، فجهزه ثانية وأعطاه أضعاف اضعاف ذلك وقال: هذا ايضًا للملك ولسائر خواصه ولذلك البطريق، فإذا عزمت على الحضور إلينا فقل لذلك البطريق: إني أحب أن أصادقك ويكون بيني وبينك معرفة، فسلني حاجتك أحضرها لك على حسب ما تقترحه، ويكون عوضًا عما قصرته في حقك، فقال: أريد بساطًا من حرير يحوي جميع الألوان وصور سائر الأطيار والأشجار والأزهار والوحوش، طوله كذا كذا وعرضه كذا كذا.
فلما رجع أخبر معاوية فجمع له سائر الصناع، فأكمل في أحسن صورة يدهش الناظرين، وجهز معه كل ما يحتاج إليه، وقال له: إذا وصلت إلى البحر فانشر البساط على ظهر المركب فسيحمله الشره على أن ينزل إليك، فإذا صار عندك فشاغله بالحديث وأعرض عليه البساط وقدّم له غير ذلك من التحف، وأمر صاحب المركب أن يقذفوا بالمجاذيف المخفية فإذا صرت في البحر فارفع الشراع وأوثقه ومن معه كتافًا وآتني بهم.
وكان للبطريق بستان على فم البحر فلما بلغه وصول المركب أشرف لينظر إليها، فلما رأى البساط كاد عقله يذهب، فخرج مسرعًا للقائه ونزل إليه مسلمًا فأعرضه عليه مع غيره، وأصحابه يقذفون ولا يعلم بذلك فما شعر إلا برفع الشراع ـ يعني القلع ـ فقال: ما هذا؟ فقبض عليه وأوثقه بالحديد وسائر أصحابه وأتى به إلى معاوية رضي الله عنه، فأحضر القرشي، وقال: هذا خصمك؟ قال: نعم، فقال له: قم فألطمه كما لطمك ولا تزد، ففعل ذلك، ثم قال لصاحب المركب: خذه واذهب به إلى الموضع الذي أخذته منه وأعطاه ذلك البساط وغيره.
وقال له: قل للملك تركت ملك المسلمين يقتص ممن هو على بساطك ومن خواصك وبطارقتك، فلما أوصلوه إلى القسطنطينية ووجدوهم قد اتخذوا على فم البحر سلسلة، فرموه هناك وأعطوه البساط، فهاب ملك الروم معاوية وعظمه وهاداه، وذكر هذه الحكاية القرطبي في تاريخه.
وذكر صاحب كتاب الوحيد في سلوك أهل التوحيد: أن المعتصم أمير المؤمنين بلغة ان علجًا من علوج الافرنج لطم امراة اسيرة في عمورية، فقالت: وامعتصماه* فقال لها العلج: لا يجئ المعتصم إلا على فرس ابلق (1) فسير المعتصم إلى سائر الجهات بطلب الخيل البلق وبذل فيها الأموال الجزيلة والخلع النفيسة حتى كمل له ثمانية عشر ألف فرس ابلق، و قيل: ثمانون الفًا وسار إليها بقوة العزم وصدق