مرحلة الإعداد:
بدأنا بتجميع المعلومات التي نحن بحاجة لها لإعادة ترتيب عملنا، وكان من أوليات هذا العمل هو تحصيل المعلومات القديمة والجديدة عن كل رواد الجهاد، الذين شاركوا في الجهاد علي الساحة الأفغانية، وكان من هؤلاء الرواد اخوتنا الأردنيون والفلسطينيون علي رأس القائمة التي لابد من إعادة دراستها، وتجديد المعلومات عن شخوصها.
ولذلك كنا نتابع المحاكمات العسكرية التي تعقدها محكمة أمن الدولة الأردنية، لإخواننا من الأفغان الأردنيين العائدين، وكذلك للمجموعات الإسلامية الصغيرة المتعددة، التي كانت تحاول القيام ببعض الأعمال الجهادية ضد دولة العدو الصهيوني في فلسطين الحبيبة، انطلاقا من الأراضي الأردنية وكان الأبرز ظهورًا من الناحية الإعلامية من بين هؤلاء الاخوة (الأخ أبو محمد المقدسي) و (الأخ أبو مصعب) من خلال متابعة وقائع محاكمتهما في قضية التوحيد (بيعة الإمام) .
وكان أخونا عمر أبو عمر (أبو قتادة) يركز علي نشر إنتاج هؤلاء الأخوة في مجلته (المنهاج) التي كان يصدرها في لندن. فقرأنا رسائل الأخ أبو محمد المقدسي، ورسائل الأخ أبو مصعب ومرافعتهما التاريخية أمام هيئة المحكمة، وكان الأخ أبو قتادة الفلسطيني، لا يفتأ يبشرنا بأن لنا اخوة جيدين، ينشطون في الأردن، وأن لهم مستقبلا واعدا علي طريق الدعوة المباركة.
فرحنا كثيرًا عندما سمعنا عن اطلاق سراحهم أوائل عام 1999، ولم نفاجأ عندما وصلتنا معلومات أن الأخ أبو مصعب وبعض اخوته، قد وصلوا إلي الباكستان.
وأقول لم نفاجأ بهم؛ لان فكرة الانحياز إلي جماعة المسلمين المجاهدة ومناصرتها أينما كانت، هي واجب علي كل من يفهم الإسلام وعقيدته فهمًا سليمًا.
كانت المعلومات المتوفرة لدينا تشير إلي أن أبو مصعب كان يقصد الذهاب إلي الشيشان، فقد كانت الساحة الإسلامية الأكثر سخونة، والأكثر توجهًا في ذلك الوقت، وإذا ما حاولنا تحليل هذه المعلومات، فهي تشير إلي أن الأخ أبو مصعب علي درجة عالية من الوعي والصدق في توجهاته.
فالذهاب إلي الشيشان يعني الاستعداد التام للتضحية والعطاء في سبيل ما يؤمن به ويدعو له، فالتغير المنشود في واقع الأمة لا يمكن تحقيقه بالأماني والتبشير والتنظير بحتمية النصر، والتمكين النظري فقط، وانما هو بحاجة إلي ممارسة فعلية عملية صادقة من قبل من ينظّر، فجماهير الأمة لم تعد بلهاء تركض خلف كل ناعق، وانما أصبحت من الوعي بحيث لا تقتنع إلا بما تلمسه واقعًا في حياتها، من هنا جاءت نظريتنا في القاعدة للتعامل مع جماهير الأمة والتي سوف أعود إليها بالشرح والتوضيح إن شاء الله.
وحدث أن حصلت مع أبو مصعب ورفيقيه مشاكل مع الأمن الباكستاني تتعلق بأمور الإقامة، أدت إلي توقيفهم، وتم الاتفاق علي إطلاق سراحهم بشرط مغادرة الباكستان، لم يكن أمام أبو مصعب ورفيقيه إلا اختيار الدخول إلي أفغانستان.
ملامح شَبه بيني و بين أبي مصعب:
وصلتني أخبار عن وصول مجموعة من الأردنيين إلي قندهار، كنت مشغولًا بأمور تتعلق بعملي خارج المنطقة، وعدت إلي قندهار بعد وصول أبي مصعب بحوالي أسبوعين، وبعد ذلك توجهت للقائه في بيت الضيافة المخصص لإقامة الضيوف والقادمين الجدد.
أبو مصعب وأبو محمد المقدسي لم يكونا بحاجة إلي تزكية مسبقة لدينا، فأخبارهما ووقائع المحاكمات العسكرية التي عقدت لهما في الأردن، وما طرحاه من أفكار علنية في هذه المحاكمات كانت كما أسلفنا، كفيلة بتزكيته وأبو قتادة وأحد مشايخ الجهاد الأردنيين كانوا قد أوصوا بهما خيرًا.
ولا بد لي أن اذكر هنا أنني قمت بلقاء الأخ المسؤول لدينا عن متابعة أبي مصعب ورفيقيه، لأخذ صورة عما جري بين الاخوة وبين أبي مصعب، وكانت النتيجة المحصلة تقول: أن أبا مصعب لديه أراء متشددة في بعض القضايا والأمور، لم يتم الاتفاق عليها بينه وبين الإخوة.
هذا الأمر أثار حفيظتي، وفتح لدي بابًا واسعًا من الذكريات الشخصية جعلتني أستعيد معظم المحطات المهمة في تاريخي وعلاقاتي، بعد أن هداني الله لفهم الإسلام السليم والصحيح في بداية الثمانينيات.
هذه الذكريات أوجدت لدي تبريرًا وعذرًا مسبقًا لأبي مصعب قبل أن التقي به. وصلت إلي المكان الذي كان يقيم فيه أبو مصعب، بعد انتهاء صلاة العشاء، وكان برفقتي أحد الاخوة المصريين الذي تعود أصوله إلي الجماعة الإسلامية في مصر، وهو من تلاميذ الشيخ عبد الآخر، والذي لم يكن علي وفاق تام مع الاخوة الشيوخ، بسبب بعض الاجتهادات الحركية والعملية.
دخلنا المضافة، فوجدنا الأخ أبو مصعب ورفيقيه علي الباب في استقبالنا، فقد كنت بعثت بخبر قدومي قبل ساعتين من ذلك، تعانقنا مع الاخوة وقدمنا لهم التهاني بالسلامة والفرج ودخلنا إلي المضافة.