للوهلة الأولي تستنتج انك تجلس مع أشخاص عاديين جدًا من حيث البساطة والتواضع، قمنا بالتعريف عن أنفسنا بشكل مبدئي، وبدأنا بالحديث. وجدت أنني اقف أمام رجل يتطابق معي في كثير من الصفات الشخصية، رجل صلب البنية لا يتقن فن الكلام كثيرًا، يعبر عما يجول في نفسه وفكره بكلام مقتضب، لا يتنازل عن أي شيء مقتنع فيه، لا يهادن ولا يساوم، لديه هدف واضح يسعي لتحقيقه، وهو إعادة الإسلام إلي واقع الحياة البشرية، ليست لديه تفاصيل كثيرة عن الطريقة والأسلوب والوسائل لذلك، سوي تحقيق التوحيد وفهم العقيدة السليمة وجهاد أعداء الأمة.
تجربته الشخصية في الحياة والعمل ليست واسعة، لكن طموحه كبير، وأهدافه واضحة، أسهبتُ في الاستفسار منه عن واقع الأردن وفلسطين. معلوماته عن الأردن كانت جيدة أما عن فلسطين فكانت ضعيفة جدًا.
بعد ذلك انتقلنا لموضوع النقاط الخلافية مع الاخوة، سمعنا منه ولم نناقشه في ذلك، فقد كان هدفنا كسبه إلي جانبنا ابتداء، استمرت جلستنا حوالي خمس ساعات متواصلة وسمعنا منه كل ما لديه، وتركناهم متواعدين علي اللقاء بعد يومين.
وفي صبيحة اليوم التالي كان لي ترتيب مسبق للاجتماع بالشيخين، (أسامة بن لادن) والشيخ (أيمن الظواهري) حفظهما الله، وكان لدينا جدول أعمال متفق عليه للمناقشة وبعد الانتهاء من جدول الاجتماع، طرحت موضوع الأخ أبو مصعب للنقاش، حيث أن الأخوة كان لديهم تصور مسبق وواع للموضوع، فالنقاط الخلافية مع أبو مصعب لم تكن جديدة علينا ولم تكن وحيدة، فمئات الاخوة الذين يأتونا من مناطق متعددة من العالم كنا نختلف معهم في بعض الأمور والقضايا، وكل هذا كان مصدره الفهم المتعدد لبعض جوانب العقيدة فيما يتعلق بالولاء والبراءة، وما يترتب عليهما من مواضيع التكفير والإرجاء، والقضية الثانية هي أساليب العمل، والتعامل مع الواقع المعاش، كلٌ في محيطه وموطنه الأصلي، وكانت النقطة الأهم مع أبو مصعب هي الموقف من الحكم السعودي، وطريقة التعامل والتعاطي معه، في ظل الاحكام الشرعية المتعلقة بالكفر والإيمان.
قمت بتقديم اقتراح للإخوة يقضي بتفويضي بالتعامل مع هذه الحالات، أي حالة أبو مصعب وما يشابهها، لأنه ليس من العدل فقهيًا، ولا من الصحيح حركيًا، ترك أو عدم التعاطي مع كل أخ أو مجموعة قد نختلف معها علي جزئيات محدودة أو تفاصيل صغيرة.
تفويض بن لادن والظواهري:
المعلومات التي كانت لدينا تقول، أنه لا يوجد للقاعدة أو لفكرها في فلسطين والأردن، أنصار كثر، وكانت الخطة المتفق عليها بين الاخوة تعطي أهمية للتواجد والانتشار في الأردن وفلسطين، فالقضية الفلسطينية هي قلب الأمة الجريح النابض، ومن يكن في عمله علي تماس معها يكون قريبًا من مشاعر الأمة. وضرب الإسرائيليين والقضاء علي دولتهم مرتبط بالتغير والتحرير في واقع الأمة، ولا تغير ولا تحرير إذا لم تضعف إسرائيل ويقضي عليها. فالنظام الإقليمي المرسوم بالمنطقة يرتبط استمراره بوجود دولة إسرائيل وهو موجود لخدمة أهدافها وتمهيد الطريق أمامها للتوسع والانتشار، والارتباط بين النظام العربي القائم حاليًا ووجود دولة إسرائيل هو ارتباط جدلي، والمتفق عليه لدينا في هذا الخصوص أنه لا تحرير بدون تغير ولا تغير إذا لم تضعف إسرائيل ولا ضعف لإسرائيل إذا لم تضعف الأنظمة العربية الخادمة لها من ناحية، وإذا لم ترفع حبال الدعم الغربي عنها وعن الأنظمة. لذلك فالنتيجة المنطقية تقول لابد لنا من أن نتواجد في كل مكان علي هذه الأرض، فكيف نترك هذه الفرصة السانحة للتواجد في فلسطين والأردن، وكيف نضيع فرصة التعامل مع أبو مصعب واخوته وأمثاله من سائر البلدان الأخري.
وأخيرًا، وافق الاخوة بعد ساعتين من النقاش المتواصل علي تفويضي في التعامل مع هذا الموضوع، مع توفير ما يلزم لذلك.
حمدت ُالله سبحانه وتعالي علي هذا التوفيق الذي كان يؤرقني منذ أكثر من عشر سنوات، فأنا كذلك لم أكن علي وفاق مع الجميع، وخصوصًا في النواحي العملية الإجرائية التكتيكية والاستراتيجية منها، فقد بدأت هذه المشكلة معي منذ اليوم الأول لاعتقالي بمصر في 6/ 5/1987 علي قضية إعادة تشكيل تنظيم الجهاد، والإعداد لمحاولة قلب نظام الحكم، والتي سجلت بقضية الجهاد (401) والتي اعتقل في ظروفها ما يقارب ستة آلاف اخ بقي منهم للمحكمة (417) أخا وارتبطت القضية، بمحاولة اغتيال وزير الداخلية المصري الأسبق حسن أبو باشا، والكاتب الصحافي مكرم محمد احمد. كنت حينها ضابطًا في القوات الخاصة المصرية برتبة مقدم، وكان معي من القوات الخاصة والحرس الخاص الأخ الرائد محمد البرم حفظه الله وسدد خطاه.
أقول اني وجدت أن الاخوة في تنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية، لم يكونوا يمتلكون من الخبرات العملية ما يمكنهم من إحداث التغير المنشود، ويعود ذلك برأيي ورأي بعض الاخوة إلي الحماس الزائد جدًا، الذي يدفع إلي التسرع الشديد دائمًا، والي التهور في بعض الأحيان، وكذلك إلي عدم امتلاك الخبرات اللازمة في العمل، وكذلك إلي عدم وجود خطة مسبقة علي المدي القصير والبعيد، وعدم وجود رؤية لاستخدام طاقات الأمة