قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) }
قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) }
قال ابن عاشور:
قال ابن عاشور:
الِاسْتِفْهَامُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّشْوِيقِ إِلَى الْخَبَرِ مَجَازًا وَلَيْسَ مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ قَدْ قُصَّتْ عَلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَبْلُ أَمْ كَانَ هَذَا أَوَّلَ قَصَصِهَا عَلَيْهِ.
الِاسْتِفْهَامُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّشْوِيقِ إِلَى الْخَبَرِ مَجَازًا وَلَيْسَ مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ قَدْ قُصَّتْ عَلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَبْلُ أَمْ كَانَ هَذَا أَوَّلَ قَصَصِهَا عَلَيْهِ.
وُفِي قَوْلِهِ: (إِذْ رَأى نَارًا) زِيَادَةٌ فِي التَّشْوِيقِ.
وُفِي قَوْلِهِ: (إِذْ رَأى نَارًا) زِيَادَةٌ فِي التَّشْوِيقِ.
وَأُوثِرَ حَرْفُ (هَلْ) فِي هَذَا الْمَقَامِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّحْقِيقِ لِأَنَّ (هَلْ) فِي الِاسْتِفْهَامِ مِثْلُ (قَدْ) فِي الْإِخْبَارِ.
وَأُوثِرَ حَرْفُ (هَلْ) فِي هَذَا الْمَقَامِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّحْقِيقِ لِأَنَّ (هَلْ) فِي الِاسْتِفْهَامِ مِثْلُ (قَدْ) فِي الْإِخْبَارِ.
وَ (أَوْ) هُنَا لِلتَّخْيِيرِ، لِأَنَّ إِتْيَانَهُ بِقَبَسٍ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ، فَهُوَ إِمَّا أَنْ يَأْخُذَ الْقَبَسَ لَا غَيْرَ، وَإِمَّا أَنْ يَزِيدَ فَيَجِدَ صَاحِبَ النَّارِ قَاصِدًا الطَّرِيقَ مِثْلَهُ فَيَصْحَبَهُ.
وَ (أَوْ) هُنَا لِلتَّخْيِيرِ، لِأَنَّ إِتْيَانَهُ بِقَبَسٍ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ، فَهُوَ إِمَّا أَنْ يَأْخُذَ الْقَبَسَ لَا غَيْرَ، وَإِمَّا أَنْ يَزِيدَ فَيَجِدَ صَاحِبَ النَّارِ قَاصِدًا الطَّرِيقَ مِثْلَهُ فَيَصْحَبَهُ.
وَحَرْفُ (عَلَى) فِي قَوْلِهِ: (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) مُسْتَعْمَلٌ فِي الِاسْتِعْلَاءِ الْمَجَازِيِّ، أَيْ شِدَّةُ الْقُرْبِ مِنَ النَّارِ قُرْبًا أَشْبَهَ الِاسْتِعْلَاءَ، وَذَلِكَ أَنَّ مُشْعِلَ النَّارِ يَسْتَدْنِي مِنْهَا لِلِاسْتِنَارَةِ بِضَوْئِهَا أَوْ لِلِاصْطِلَاءِ بِهَا.
وَحَرْفُ (عَلَى) فِي قَوْلِهِ: (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) مُسْتَعْمَلٌ فِي الِاسْتِعْلَاءِ الْمَجَازِيِّ، أَيْ شِدَّةُ الْقُرْبِ مِنَ النَّارِ قُرْبًا أَشْبَهَ الِاسْتِعْلَاءَ، وَذَلِكَ أَنَّ مُشْعِلَ النَّارِ يَسْتَدْنِي مِنْهَا لِلِاسْتِنَارَةِ بِضَوْئِهَا أَوْ لِلِاصْطِلَاءِ بِهَا.
وَإِظْهَارُ النَّارِ لِمُوسَى رَمْزٌ رَبَّانِيٌّ لَطِيفٌ إِذْ جَعَلَ اجْتِلَابَهُ لِتَلَقِّي الْوَحْيِ بِاسْتِدْعَاءٍ بِنُورٍ فِي ظُلْمَةٍ رَمْزًا عَلَى أَنَّهُ سَيَتَلَقَّى مَا بِهِ إِنَارَةُ نَاسٍ بِدِينٍ صَحِيحٍ بَعْدَ ظُلْمَةِ الضَّلَالِ وَسُوء الِاعْتِقَاد. اهـ (التحرير والتنوير) .
وَإِظْهَارُ النَّارِ لِمُوسَى رَمْزٌ رَبَّانِيٌّ لَطِيفٌ إِذْ جَعَلَ اجْتِلَابَهُ لِتَلَقِّي الْوَحْيِ بِاسْتِدْعَاءٍ بِنُورٍ فِي ظُلْمَةٍ رَمْزًا عَلَى أَنَّهُ سَيَتَلَقَّى مَا بِهِ إِنَارَةُ نَاسٍ بِدِينٍ صَحِيحٍ بَعْدَ ظُلْمَةِ الضَّلَالِ وَسُوء الِاعْتِقَاد. اهـ (التحرير والتنوير) .
(لطيفة)
(لطيفة)
قال الكَرْماني:
قال الكَرْماني:
قوله تبارك وتعالى: (وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى. إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً) وفي النمل: (إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) وفي القصص: (فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) .
قوله تبارك وتعالى: (وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى. إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً) وفي النمل: (إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) وفي القصص: (فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) .
هذه الآيات تشتمل على ذكر رؤية موسى النار، وأمره أهله بالمكث، وإخباره أنه آنس نارا، وإطماعهم أن يأتيهم بنار يصطلون بها، أو بخبر يهتدون به إلى الطريق التى ضلوا عنها، لكنه نقص في النمل ذكر رؤية النار، وأمر أهله بالمكث، اكتفاء بما تقدم، وزاد في القصص: قضاء موسى الأجل المضروب، وسيره بأهله إلى مصر، لأن الشيء قد يجمل ثم يفصل، وقد يفصل ثم يجمل، وفي طه فصل، وأجمل في النمل، ثم فصل في القصص وبالغ فيه.
هذه الآيات تشتمل على ذكر رؤية موسى النار، وأمره أهله بالمكث، وإخباره أنه آنس نارا، وإطماعهم أن يأتيهم بنار يصطلون بها، أو بخبر يهتدون به إلى الطريق التى ضلوا عنها، لكنه نقص في النمل ذكر رؤية النار، وأمر أهله بالمكث، اكتفاء بما تقدم، وزاد في القصص: قضاء موسى الأجل المضروب، وسيره بأهله إلى مصر، لأن الشيء قد يجمل ثم يفصل، وقد يفصل ثم يجمل، وفي طه فصل، وأجمل في النمل، ثم فصل في القصص وبالغ فيه.
وقوله في طه: (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً) أى: من يخبرنى بالطريق فيهدينى إليه. وإنما أخر ذكر المخبر فيهما وقدمه فيهما مرات لفواصل الآي، وكرر (لَعَلِّي) في القصص لفظا، وفيهما معنى، لأن (أَوْ) في قوله: (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً) نائب عن (لَعَلِّي) و (سَآتِيكُمْ) تتضمن معنى (لعلي) ، وفي القصص: (أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ) وفي النمل: (بِشِهابٍ قَبَسٍ) وفي طه: (بِقَبَسٍ) لأن الجذوة من النار خشبة في رأسها قبس له شهاب، فهي في السور الثلاث عبارة عن معبر واحد. اهـ (أسرار التكرار، للكرماني) .
وقوله في طه: (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً) أى: من يخبرنى بالطريق فيهدينى إليه. وإنما أخر ذكر المخبر فيهما وقدمه فيهما مرات لفواصل الآي، وكرر (لَعَلِّي) في القصص لفظا، وفيهما معنى، لأن (أَوْ) في قوله: (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً) نائب عن (لَعَلِّي) و (سَآتِيكُمْ) تتضمن معنى (لعلي) ، وفي القصص: (أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ) وفي النمل: (بِشِهابٍ قَبَسٍ) وفي طه: (بِقَبَسٍ) لأن الجذوة من النار خشبة في رأسها قبس له شهاب، فهي في السور الثلاث عبارة عن معبر واحد. اهـ (أسرار التكرار، للكرماني) .
قال الخطيب الإسكافي:
قال الخطيب الإسكافي:
والجواب أن يقال: إن الله تعالى لم يخبر أنه خاطب موسى عليه السلام باللغة العربية بألفاظ إذا عدل عنها إلى غيرها ممّا يخالف معناها كان اختلافا في القرآن قادحاً فيه، بل معلوم أن الخطاب كان بغير هذه اللغة، وأنه تعالى أخبر في بعض السور ببعض ما جرى، وفي الأخرى بأكثر ممّا أخبر به في التي قبلها، وليس يدفع بعضها بعضا.
والجواب أن يقال: إن الله تعالى لم يخبر أنه خاطب موسى عليه السلام باللغة العربية بألفاظ إذا عدل عنها إلى غيرها ممّا يخالف معناها كان اختلافا في القرآن قادحاً فيه، بل معلوم أن الخطاب كان بغير هذه اللغة، وأنه تعالى أخبر في بعض السور ببعض ما جرى، وفي الأخرى بأكثر ممّا أخبر به في التي قبلها، وليس يدفع بعضها بعضا.
فأما قوله تعالى: ( ... لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى(10)
فأما قوله تعالى: ( ... لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى(10)
، فهو معنى قوله: ( ... سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبسٍ ... )
، فهو معنى قوله: ( ... سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبسٍ ... )
، لأن الخبر الذي يأتيهم به هو أن يجد على النار من يهديه ويخبره أن الطريق ما هو عليه، أو غيره، ووجود الهدى وأن يخبر بخبر اهتدائه في طريقه أو غيره شيء واحد لا اختلافَ فيه.
، لأن الخبر الذي يأتيهم به هو أن يجد على النار من يهديه ويخبره أن الطريق ما هو عليه، أو غيره، ووجود الهدى وأن يخبر بخبر اهتدائه في طريقه أو غيره شيء واحد لا اختلافَ فيه.
وأما قوله عز وجل: (فلما أتاها نودى يا موسي إنى أنا ربك فاخلع نعليك ... ) ، فهو ممّا جرى، ولم يخبر الله تعالى به في سائر السور، فأخبر به في هذه.
وأما قوله عز وجل: (فلما أتاها نودى يا موسي إنى أنا ربك فاخلع نعليك ... ) ، فهو ممّا جرى، ولم يخبر الله تعالى به في سائر السور، فأخبر به في هذه.
وكذلك القول في العصا وسؤاله وتقريره على ما وصف من حالها، حيث يقول: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى(17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي ... ) إلى قوله:، ( ... سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى) هو من ذلك. اهـ (درة التنزيل) .
وكذلك القول في العصا وسؤاله وتقريره على ما وصف من حالها، حيث يقول: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى(17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي ... ) إلى قوله:، ( ... سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى) هو من ذلك. اهـ (درة التنزيل) .
وقال ابن الزبير الغرناطي:
وقال ابن الزبير الغرناطي:
قول موسى، عليه السلام، لأهله: (امكثوا) وسقوط ذلك في سورة النمل قد يكون مما قاله، عليه السلام، نطقاً باللغة التي كلمهم بها، وقد يكون مما فهمه عنه أهله بإشارة أو قرينة أو حال، فيكون قد أمرهم بذلك على كل حال فإما بنطق أو غيره، فمرة حكى معنى نطقه أو مراده بما قد فهم عنه أهله الأمر، ومرة اكتفى بما بعد (هذا) الأمر اقتصارً على ما يحصل المقصود، فلا اختلاف ولا اعتراض في ذلك.
قول موسى، عليه السلام، لأهله: (امكثوا) وسقوط ذلك في سورة النمل قد يكون مما قاله، عليه السلام، نطقاً باللغة التي كلمهم بها، وقد يكون مما فهمه عنه أهله بإشارة أو قرينة أو حال، فيكون قد أمرهم بذلك على كل حال فإما بنطق أو غيره، فمرة حكى معنى نطقه أو مراده بما قد فهم عنه أهله الأمر، ومرة اكتفى بما بعد (هذا) الأمر اقتصارً على ما يحصل المقصود، فلا اختلاف ولا اعتراض في ذلك.
وأما قوله: (لَعَلِّي آتِيكُمْ) في السورتين وقوله في النمل: (سَآتِيكُمْ) فإن حرف التسويف يفهم الاستقبال، و (ولفظ) لعل أيضاً يعطي ذلك مع زيادة الترجي والطمع، فيمكن لتقارب معنييهما أن يكون في لسانهم عبارة موضوعة للمعنيين معاً، فلم يكن بد من ورود الحرفين عند الحكاية ليحرز ذلك وقوع المعنى وحصوله على ما هو في لسانهم.
وأما قوله: (لَعَلِّي آتِيكُمْ) في السورتين وقوله في النمل: (سَآتِيكُمْ) فإن حرف التسويف يفهم الاستقبال، و (ولفظ) لعل أيضاً يعطي ذلك مع زيادة الترجي والطمع، فيمكن لتقارب معنييهما أن يكون في لسانهم عبارة موضوعة للمعنيين معاً، فلم يكن بد من ورود الحرفين عند الحكاية ليحرز ذلك وقوع المعنى وحصوله على ما هو في لسانهم.
وأما تقديم ذكر القبس في سورة طه على الخبر وتأخيره في السورتين فعنوان بين يعرف أن القصة محكية على معناها لضرورة اختلاف اللغتين ولو ورد الأخبار على التزام التقديم في إحداهما وتأخير الآخر على اللزوم لما أحرز ما ذكرنا.
وأما تقديم ذكر القبس في سورة طه على الخبر وتأخيره في السورتين فعنوان بين يعرف أن القصة محكية على معناها لضرورة اختلاف اللغتين ولو ورد الأخبار على التزام التقديم في إحداهما وتأخير الآخر على اللزوم لما أحرز ما ذكرنا.
وأما القبس والجذوة والشهاب من القبس فإن ذلك مما يتصل في لغتنا بمراعاة أدنى شيء يسوغ افتراق التسمية، وذلك كثير في لغتنا كقولهم: سيف وصارم ومهند، وقولهم في التمر طلع وضحك وإغريض وبلح وسياب إلى تمام أحواله العشر، له في كل حالة منها اسم والمسمى واحد، ومتى كان للعرب تعمم بشيء من الموجودات، وكان مما يكثر في كلامهم، وضعوا له عدة أسماء اتساعاً، حتى أنهم قد أنهو بعض المسميات إلى مائة اسم أو نحوها، وإنما كان هذا في لغة العرب لاضطرارهم إليه في الشعر والأسجاع، فلو لم تتسع اللغة العربية فيما ذكر لضاق عليهم الأمر واعتاص النظم والنثر، وأقرب شيء أن يكون التعبير في تلك اللغة وقع بلفظ واحد لا يعبر في لغتهم عن ذلك المراد المقصود لغيره، وقد أحرز وضع ذلك اللفظ العبراني ما عبر عنه في لغتنا بعدة أسماء، وسواء عني في كل اسم منها معنى ما في المسمى، أو كانت مترادفة على المسمى من غير أن يراعى في شيء منها معنى ما في المسمى.
وأما القبس والجذوة والشهاب من القبس فإن ذلك مما يتصل في لغتنا بمراعاة أدنى شيء يسوغ افتراق التسمية، وذلك كثير في لغتنا كقولهم: سيف وصارم ومهند، وقولهم في التمر طلع وضحك وإغريض وبلح وسياب إلى تمام أحواله العشر، له في كل حالة منها اسم والمسمى واحد، ومتى كان للعرب تعمم بشيء من الموجودات، وكان مما يكثر في كلامهم، وضعوا له عدة أسماء اتساعاً، حتى أنهم قد أنهو بعض المسميات إلى مائة اسم أو نحوها، وإنما كان هذا في لغة العرب لاضطرارهم إليه في الشعر والأسجاع، فلو لم تتسع اللغة العربية فيما ذكر لضاق عليهم الأمر واعتاص النظم والنثر، وأقرب شيء أن يكون التعبير في تلك اللغة وقع بلفظ واحد لا يعبر في لغتهم عن ذلك المراد المقصود لغيره، وقد أحرز وضع ذلك اللفظ العبراني ما عبر عنه في لغتنا بعدة أسماء، وسواء عني في كل اسم منها معنى ما في المسمى، أو كانت مترادفة على المسمى من غير أن يراعى في شيء منها معنى ما في المسمى.
وأما تكرار: (أو آتيكم) في سورة النمل فليس فيه إلا تكرار ما يحرز التأكيد، وتأكيد ما هو خبر ليس أمراً ولا نهياً إنما ثمرته وفائدته صدق الإخبار، وذلك حاصل هنا سواء تأكد أو لم يتأكد وإذا كان الكلام على ما قلنا والصدق حاصل على كل حال فلا ينكر إذا حكي بمعناه، أو يؤكد مرة ولا يؤكد أخرى، إذ لا زيادة للتأكيد فيه سوى الجري على مرتكبات العرب في مثله.
وأما تكرار: (أو آتيكم) في سورة النمل فليس فيه إلا تكرار ما يحرز التأكيد، وتأكيد ما هو خبر ليس أمراً ولا نهياً إنما ثمرته وفائدته صدق الإخبار، وذلك حاصل هنا سواء تأكد أو لم يتأكد وإذا كان الكلام على ما قلنا والصدق حاصل على كل حال فلا ينكر إذا حكي بمعناه، أو يؤكد مرة ولا يؤكد أخرى، إذ لا زيادة للتأكيد فيه سوى الجري على مرتكبات العرب في مثله.
وأما الإفصاح في السورتين الأخريين بالحاجة إلى النار وهو الاصطلاء، ولم يقع ذلك في طه، فإن ذلك إخبار بزيادة لا يعارضها شيء مما في سورة طه، فقوله: (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) (طه: 10) ، فإفصاح بما هو معلوم من قوله في سورة النمل: (سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ) (النمل: 7) ، لأن أهله لم يكن بهم من حاجة لغير الاصطلاء واستعلام طريقهم، فورد في سورة طه مفصحاً بالمقصود مفسراً لما هو مفهوم في آيتي النمل والقصص من معنى الكلام وسياقه، فلا اختلاف في شيء من ذلك كله ولا تعارض ولا خلاف، والحمد لله.
وأما الإفصاح في السورتين الأخريين بالحاجة إلى النار وهو الاصطلاء، ولم يقع ذلك في طه، فإن ذلك إخبار بزيادة لا يعارضها شيء مما في سورة طه، فقوله: (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) (طه: 10) ، فإفصاح بما هو معلوم من قوله في سورة النمل: (سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ) (النمل: 7) ، لأن أهله لم يكن بهم من حاجة لغير الاصطلاء واستعلام طريقهم، فورد في سورة طه مفصحاً بالمقصود مفسراً لما هو مفهوم في آيتي النمل والقصص من معنى الكلام وسياقه، فلا اختلاف في شيء من ذلك كله ولا تعارض ولا خلاف، والحمد لله.
والجواب عن السؤال الثاني: أن تخصيص كل سورة من هذه السور بما ورد فيها مقتضيه بين.
والجواب عن السؤال الثاني: أن تخصيص كل سورة من هذه السور بما ورد فيها مقتضيه بين.
أما أولاً فإن فواصل هذه السورة ومقاطع آيها مناسبة للوارد فيها، أما سورة طه فمقاطع آيها لازمة الألف المقصورة وعلى ذلك أي السور كلها، وأما النمل والقصص فقد اكتنف الواقع في آي هذه القصة فيها ما مقطعه النون الواقع قبلها الياء والواو الساكنتان بحسب ما تقدمهما من حركتي الضمة والكسرة.
أما أولاً فإن فواصل هذه السورة ومقاطع آيها مناسبة للوارد فيها، أما سورة طه فمقاطع آيها لازمة الألف المقصورة وعلى ذلك أي السور كلها، وأما النمل والقصص فقد اكتنف الواقع في آي هذه القصة فيها ما مقطعه النون الواقع قبلها الياء والواو الساكنتان بحسب ما تقدمهما من حركتي الضمة والكسرة.
فإن قلت: إن السورتين مستويتان في هذا فما الفارق؟
فإن قلت: إن السورتين مستويتان في هذا فما الفارق؟
قلت: الإيجاز والطول، أما سورة النمل فأوجز في هذا المقصد، وأما سورة القصص فإن خبر موسى، عليه السلام، فيها يكاد يستغرق آيها كلها، فناسبه طول الوارد فيها مما فيه الكلام، وذلك غير خاف.
قلت: الإيجاز والطول، أما سورة النمل فأوجز في هذا المقصد، وأما سورة القصص فإن خبر موسى، عليه السلام، فيها يكاد يستغرق آيها كلها، فناسبه طول الوارد فيها مما فيه الكلام، وذلك غير خاف.
وتأمل الوارد في سورة طه من قوله تعالى مخبراً عن نبيه موسى، عليه السلام، من قوله: (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) ، ومناسبة ذلك لما بنيت عليه سورة طه من تأنيس نبينا صلى الله عليه وسلم، وافتتاحها بقوله تعالى: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) (طه: 2) ، يلح لك التلاؤم والتناسب، وقد وضح أن كل ما في كل سورة من السور الثلاث من هذه القصة لا يلائم غيرها، وأن كل قصة منها لا يحسن وقوعها في موضع الآخر لعدم المناسبة وبعد التلاؤم، والله أعلم. اهـ (ملاك التأويل) .
وتأمل الوارد في سورة طه من قوله تعالى مخبراً عن نبيه موسى، عليه السلام، من قوله: (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) ، ومناسبة ذلك لما بنيت عليه سورة طه من تأنيس نبينا صلى الله عليه وسلم، وافتتاحها بقوله تعالى: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) (طه: 2) ، يلح لك التلاؤم والتناسب، وقد وضح أن كل ما في كل سورة من السور الثلاث من هذه القصة لا يلائم غيرها، وأن كل قصة منها لا يحسن وقوعها في موضع الآخر لعدم المناسبة وبعد التلاؤم، والله أعلم. اهـ (ملاك التأويل) .
(فائدة)
(فائدة)
قال الماوردي:
قال الماوردي:
{فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُواْ} أي أقيموا. والفرق بين المكث والإقامة أن الإقامة تدوم والمكث لا يدوم. اهـ (النكت والعيون) .
{فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُواْ} أي أقيموا. والفرق بين المكث والإقامة أن الإقامة تدوم والمكث لا يدوم. اهـ (النكت والعيون) .
قال أبو السعود:
قال أبو السعود:
ومعنى الاستعلاء في قوله تعالى (عَلَى النار) أن أهلَ النارِ يستعلون المكانَ القريب منها أو لأنهم عند الاصطلاءِ يكتنفونها قِياماٍ وقعوداً فيُشرفون عليها ولما كان الإتيانُ بهما مترقَّباً غيرَ محقَّقِ الوقوعِ صُدّر الجملة بكلمة الترجي وهي إما علةٌ لفعل قد حذف ثقةً بمَا يدلُّ عليهِ من الأمر بالمُكث والإخبار بإيناس النارِ وتفادياً عن التصريح بما يوحشهم، وإما حالٌ من فاعله أي فأَذهب إليها لآتيَكم أو كي آتيَكم أو راجياً أن آتيَكم منها بقبس. اهـ (تفسير أبي السعود) .
ومعنى الاستعلاء في قوله تعالى (عَلَى النار) أن أهلَ النارِ يستعلون المكانَ القريب منها أو لأنهم عند الاصطلاءِ يكتنفونها قِياماٍ وقعوداً فيُشرفون عليها ولما كان الإتيانُ بهما مترقَّباً غيرَ محقَّقِ الوقوعِ صُدّر الجملة بكلمة الترجي وهي إما علةٌ لفعل قد حذف ثقةً بمَا يدلُّ عليهِ من الأمر بالمُكث والإخبار بإيناس النارِ وتفادياً عن التصريح بما يوحشهم، وإما حالٌ من فاعله أي فأَذهب إليها لآتيَكم أو كي آتيَكم أو راجياً أن آتيَكم منها بقبس. اهـ (تفسير أبي السعود) .
(فائدة بلاغية)
(فائدة بلاغية)
فن الإبهام:
فن الإبهام:
في قوله تعالى «لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً» وهو فن رفيع ينطوي على الكثير من جلائل المعاني ودقائقها وهو ضد الإيجاز وضد الإطناب وحدّه أن يأتي المتكلم إلى المعنى الواحد الذي يمكنه الدلالة عليه باللفظ القليل فيدل عليه باللفظ الكثير لا لقصد إفهام البليد وسماع البعيد ولا للتقرير والتوكيد، بل للإتيان بمعنى يتشعب إلى عدة أمور كل واحد منها مستقل المفهومية، فقد قال (لعلي آتيكم منها بقبس) ولم يبت في الأمر لئلا يعد ما ليس بمستيقن من الوفاء به، وما أجملها حكمة تكون درسا للذين يكيلون الوعود جزافا ولا يفكرون في الوفاء بها ثم قال لعلي (أجد على النار هدى) وهذا يحتوي على معنى آخر ثم يتشعب فالهداية هي المعنى الرئيسي ثم ان الهداية قد تكون بالنار نفسها بخاصة الإضاءة الكامنة فيها وإما بواسطة القوم الذين يقومون بإيقادها ويفهم من هذا ضمنا أنه ضل مع أهله الذين يرافقونه وهم امرأته بنت شعيب وقد ولدت في الطريق ابنا في ليلة شاتية مظلمة باردة وقيل مثلجة فلما أسقط في يده آنس النار فقال ما قال ثم قد يقصد بالهداية معناها المجازي الآخر أي لعلي أهتدي بنور العلم لأن أفكار الأبرار مغمورة بالهمم فتبارك قائل هذا الكلام. اهـ (إعراب القرآن وبيانه، لمحيي الدين درويش) .
في قوله تعالى «لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً» وهو فن رفيع ينطوي على الكثير من جلائل المعاني ودقائقها وهو ضد الإيجاز وضد الإطناب وحدّه أن يأتي المتكلم إلى المعنى الواحد الذي يمكنه الدلالة عليه باللفظ القليل فيدل عليه باللفظ الكثير لا لقصد إفهام البليد وسماع البعيد ولا للتقرير والتوكيد، بل للإتيان بمعنى يتشعب إلى عدة أمور كل واحد منها مستقل المفهومية، فقد قال (لعلي آتيكم منها بقبس) ولم يبت في الأمر لئلا يعد ما ليس بمستيقن من الوفاء به، وما أجملها حكمة تكون درسا للذين يكيلون الوعود جزافا ولا يفكرون في الوفاء بها ثم قال لعلي (أجد على النار هدى) وهذا يحتوي على معنى آخر ثم يتشعب فالهداية هي المعنى الرئيسي ثم ان الهداية قد تكون بالنار نفسها بخاصة الإضاءة الكامنة فيها وإما بواسطة القوم الذين يقومون بإيقادها ويفهم من هذا ضمنا أنه ضل مع أهله الذين يرافقونه وهم امرأته بنت شعيب وقد ولدت في الطريق ابنا في ليلة شاتية مظلمة باردة وقيل مثلجة فلما أسقط في يده آنس النار فقال ما قال ثم قد يقصد بالهداية معناها المجازي الآخر أي لعلي أهتدي بنور العلم لأن أفكار الأبرار مغمورة بالهمم فتبارك قائل هذا الكلام. اهـ (إعراب القرآن وبيانه، لمحيي الدين درويش) .