فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 396

قال البقاعي: ولما كان حاصل القصة أنه وَلَدٌ أخرجه الله تعالى عن سببٍ هو في ضعفه قريب من العدم، أما من جهته فبلوغه إلى حد من السن وحال في المزاج لا يقبل حركة الجماع عادة، أما من جهة زوجته فلزيادتها مع يأسها ببلوغها إلى نحو ذلك السن بكونها عاقراً لم تقبل حبَلاً قط، أتبعه بقصة هي أغرب من قصته بكونها ليس فيها إلا سببٌ واحدٌ وهو المرأة، وعدم فيها سبب الذكورية أصلاً، إشارة إلى أنه تعالى يخلق ما يشاء تارةً بسبب قوي، وتارةً بسبب ضعيف، وتارةً بلا سبب، ومن كان كذلك كان مستغنياً عن الولد؛ ولما كان على اليهود الآمِرين بالسؤال تعنتاً عن قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين أن ينصحوا العرب بالإعلام بأن دينَهم باطلٌ لشركهم، فلم يفعلوا فكانوا جديرين بالتبكيت، وكانت قصة زكريا أعظم في تبكيتهم بمباشرتهم لقتله وقتل ولده يحيى عليهما السلام، قدمها في الذِّكر، وتوطئة لأمر عيسى عليه السلام كما مضى بيانه في آل عمران إلزاماً لهم بالاعتراف به، وللنصارى بالاعتراف بأنه عبدٌ، كما اعترف كل منهما بأمر يحيى عليه السلام، وذلك بما جمع بينهما من خرق العادة، وكانت قصة يحيى أولى من قصة - عيسى عليهما السلام - لما تقدم، ولمشاهدة الذين اختلفوا في عيسى - عليه السلام - من الفريقين لأمره وأمر يحيى عليهم الصلاة والسلام لما لهما من الاتحاد في الزمن مع ما لهما من قرب النسب، ولما كانت قصة عيسى عليه السلام أغرب، أشار إلى ذلك بتغيير السياق فقال عاطفاً على ما تقديره: اذكر هذا لهم: {واذكر} - بلفظ الأمر {في الكتاب مريم} . اهـ (نظم الدرر) .

قال البقاعي: ولما كان حاصل القصة أنه وَلَدٌ أخرجه الله تعالى عن سببٍ هو في ضعفه قريب من العدم، أما من جهته فبلوغه إلى حد من السن وحال في المزاج لا يقبل حركة الجماع عادة، أما من جهة زوجته فلزيادتها مع يأسها ببلوغها إلى نحو ذلك السن بكونها عاقراً لم تقبل حبَلاً قط، أتبعه بقصة هي أغرب من قصته بكونها ليس فيها إلا سببٌ واحدٌ وهو المرأة، وعدم فيها سبب الذكورية أصلاً، إشارة إلى أنه تعالى يخلق ما يشاء تارةً بسبب قوي، وتارةً بسبب ضعيف، وتارةً بلا سبب، ومن كان كذلك كان مستغنياً عن الولد؛ ولما كان على اليهود الآمِرين بالسؤال تعنتاً عن قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين أن ينصحوا العرب بالإعلام بأن دينَهم باطلٌ لشركهم، فلم يفعلوا فكانوا جديرين بالتبكيت، وكانت قصة زكريا أعظم في تبكيتهم بمباشرتهم لقتله وقتل ولده يحيى عليهما السلام، قدمها في الذِّكر، وتوطئة لأمر عيسى عليه السلام كما مضى بيانه في آل عمران إلزاماً لهم بالاعتراف به، وللنصارى بالاعتراف بأنه عبدٌ، كما اعترف كل منهما بأمر يحيى عليه السلام، وذلك بما جمع بينهما من خرق العادة، وكانت قصة يحيى أولى من قصة - عيسى عليهما السلام - لما تقدم، ولمشاهدة الذين اختلفوا في عيسى - عليه السلام - من الفريقين لأمره وأمر يحيى عليهم الصلاة والسلام لما لهما من الاتحاد في الزمن مع ما لهما من قرب النسب، ولما كانت قصة عيسى عليه السلام أغرب، أشار إلى ذلك بتغيير السياق فقال عاطفاً على ما تقديره: اذكر هذا لهم: {واذكر} - بلفظ الأمر {في الكتاب مريم} . اهـ (نظم الدرر) .

وقال صاحب روح البيان: {وَاذْكُرْ} يا محمد للناس {فِي الْكِتَابِ} أي: القرآن أو السورة الكريمة فإنها بعض من الكتاب فصح إطلاقه عليها {مَرْيَمَ} على حذف المضاف أي: خبر بنت عمران وقصتها فإن الذكر لا يتعلق بالأعيان، ومريم بمعنى العابدة.

وقال صاحب روح البيان: {وَاذْكُرْ} يا محمد للناس {فِي الْكِتَابِ} أي: القرآن أو السورة الكريمة فإنها بعض من الكتاب فصح إطلاقه عليها {مَرْيَمَ} على حذف المضاف أي: خبر بنت عمران وقصتها فإن الذكر لا يتعلق بالأعيان، ومريم بمعنى العابدة.

قال بعض العلماء في حكمة ذكر مريم باسمها دون غيرها من النساء أن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في ملأ ولا يبتذلون أسماءهن بل يكنون عن الزوجة بالعرس والعيال والأهل ونحو ذلك فإذا ذكروا الإماء لم يكنوا عنهن ولم يصونوا أسماءهن عن الذكر والتصريح بها فلما قالت النصارى في حق مريم ما قالت وفي ابنها صرح الله تعالى باسمها ولم يكنّ عنها تأكيداً للأموّة والعبودية التي هي صفة لها وإجراء للكلام على عادة العرب في ذكر إمائها ومع هذا فإن عيسى عليه السلام لا أب له واعتقاد هذا واجب فإذا تكرر ذكره منسوباً إلى الأم استشعرت القلوب ما يجب عليها اعتقاده من نفي الأب عنه وتنزيه الأم الطاهرة عن مقالة اليهود لعنهم الله تعالى كذا في «التعريف والإعلام» للإمام السهيلي. وقال في «أسئلة الحكم» : سميت مريم في القرآن باسمها لأنها أقامت نفسها في الطاعة كالرجل الكامل فذكرت باسمها كما يذكر الرجال من موسى وعيسى ونحوهما عليهم السلام وخوطبت كما خوطب الأنبياء كما قال تعالى: {يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} . اهـ (روح البيان) .

قال بعض العلماء في حكمة ذكر مريم باسمها دون غيرها من النساء أن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في ملأ ولا يبتذلون أسماءهن بل يكنون عن الزوجة بالعرس والعيال والأهل ونحو ذلك فإذا ذكروا الإماء لم يكنوا عنهن ولم يصونوا أسماءهن عن الذكر والتصريح بها فلما قالت النصارى في حق مريم ما قالت وفي ابنها صرح الله تعالى باسمها ولم يكنّ عنها تأكيداً للأموّة والعبودية التي هي صفة لها وإجراء للكلام على عادة العرب في ذكر إمائها ومع هذا فإن عيسى عليه السلام لا أب له واعتقاد هذا واجب فإذا تكرر ذكره منسوباً إلى الأم استشعرت القلوب ما يجب عليها اعتقاده من نفي الأب عنه وتنزيه الأم الطاهرة عن مقالة اليهود لعنهم الله تعالى كذا في «التعريف والإعلام» للإمام السهيلي. وقال في «أسئلة الحكم» : سميت مريم في القرآن باسمها لأنها أقامت نفسها في الطاعة كالرجل الكامل فذكرت باسمها كما يذكر الرجال من موسى وعيسى ونحوهما عليهم السلام وخوطبت كما خوطب الأنبياء كما قال تعالى: {يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} . اهـ (روح البيان) .

(لطائف لغوية)

(لطائف لغوية)

الانتباذ: الاعتزال والانفراد، وقال البيضاوي: انتبذت متضمن معنى (أتت) وقال البروسوي: مكانا مفعول له باعتبار ما في ضمنه من معنى الإتيان.

الانتباذ: الاعتزال والانفراد، وقال البيضاوي: انتبذت متضمن معنى (أتت) وقال البروسوي: مكانا مفعول له باعتبار ما في ضمنه من معنى الإتيان.

وقال أبو حيان: انتبذت: افتعل من نبذ ومعناه ارتمت وتنحت وانفردت. وانتصب مكانا على الظرف أي في مكان. وقال السدي: لتَطهُر من حيضها. وقال غيره: لتتعبد.

وقال أبو حيان: انتبذت: افتعل من نبذ ومعناه ارتمت وتنحت وانفردت. وانتصب مكانا على الظرف أي في مكان. وقال السدي: لتَطهُر من حيضها. وقال غيره: لتتعبد.

وقال الجمل: مكانا منصوب على الظرفية، ويصح أن يكون مفعولا به على تضمين انتبذت معنى أتت وفي السمين ما يؤيده: انتبذت مكانا: اتخذته بمعزل بعيدا عن القوم. ووافقه أبو السعود.

وقال الجمل: مكانا منصوب على الظرفية، ويصح أن يكون مفعولا به على تضمين انتبذت معنى أتت وفي السمين ما يؤيده: انتبذت مكانا: اتخذته بمعزل بعيدا عن القوم. ووافقه أبو السعود.

(مكانا) مفعول له باعتبار ما في ضمنه من معنى الإتيان المترتب وجودا واعتبارا على أصل معناه العامل في الجار والمجرور وهو السر في تأخيره عنه. أي انفردت منهم وأتت مكانا شرقيا.

(مكانا) مفعول له باعتبار ما في ضمنه من معنى الإتيان المترتب وجودا واعتبارا على أصل معناه العامل في الجار والمجرور وهو السر في تأخيره عنه. أي انفردت منهم وأتت مكانا شرقيا.

وذكر الرازي: انتبذت: تنحَّت يقال: جلس نبذة من الناس أي ناحية و (انتبذت) معناه تباعدت وانفردت على سرعة إلى مكان يلي ناحية المشرق.

وذكر الرازي: انتبذت: تنحَّت يقال: جلس نبذة من الناس أي ناحية و (انتبذت) معناه تباعدت وانفردت على سرعة إلى مكان يلي ناحية المشرق.

وذكر ابن عباس: انتبذت: انفردت وتنحَّت.

وذكر ابن عباس: انتبذت: انفردت وتنحَّت.

أقول: النبذ: الرمي إلى بعيد أو الإلقاء أو الطرح استهانة به وإظهارا للاستغناء عنه قَالَ تَعَالَى: (فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) وانتبذ - على وزن افتعل - من معاني هذه الصيغة الاتخاذ أو الطلب، فمريم اتخذت مرمى بعيدا في شرقي أهلها أو طلبت معزلا (شعورا بمهانتها) منبوذا انتحت فيه في الشرق من أهلها. وقلت (مرمى) لأن النبذ: الرمي إلى بعيد فقد تضمن (انتبذت) معنى (اعتزلت) أي تنحت. والذي أنَّسني بهذا المعنى وسوغ هذا التضمين صيغة انتبذت - افتعل: اعتزل - كما قلت، وما أدري من أين جاء المفسرون بتضمين الانتباذ معنى (المجيء) .

أقول: النبذ: الرمي إلى بعيد أو الإلقاء أو الطرح استهانة به وإظهارا للاستغناء عنه قَالَ تَعَالَى: (فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) وانتبذ - على وزن افتعل - من معاني هذه الصيغة الاتخاذ أو الطلب، فمريم اتخذت مرمى بعيدا في شرقي أهلها أو طلبت معزلا (شعورا بمهانتها) منبوذا انتحت فيه في الشرق من أهلها. وقلت (مرمى) لأن النبذ: الرمي إلى بعيد فقد تضمن (انتبذت) معنى (اعتزلت) أي تنحت. والذي أنَّسني بهذا المعنى وسوغ هذا التضمين صيغة انتبذت - افتعل: اعتزل - كما قلت، وما أدري من أين جاء المفسرون بتضمين الانتباذ معنى (المجيء) .

ويبقى التضمين كنزا من كنوز هذه اللغة نخلد إليه حين لا يثبت عند النظر سواه. فنأوي إلى سداد ونؤول إلى ثقة. اهـ (التضمين النحوي) .

ويبقى التضمين كنزا من كنوز هذه اللغة نخلد إليه حين لا يثبت عند النظر سواه. فنأوي إلى سداد ونؤول إلى ثقة. اهـ (التضمين النحوي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت