قوله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74) }
قوله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74) }
قال ابن عاشور:
قال ابن عاشور:
وَاللَّامُ فِي (لَهُ جَهَنَّمَ) لَامُ الِاسْتِحْقَاقِ، أَيْ هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهَا لَا مَحَالَةَ، وَيَكُونُ عَذَابُهُ مُتَجَدِّدًا فِيهَا فَلَا هُوَ مَيِّتٌ لِأَنَّهُ يُحِسُّ بِالْعَذَابِ وَلَا هُوَ حَيٌّ لِأَنَّهُ فِي حَالَةِ الْمَوْتِ أَهْوَنُ مِنْهَا، فَالْحَيَاةُ الْمَنْفِيَّةُ حَيَاةٌ خَاصَّةٌ وَهِيَ الْحَيَاةُ الْخَالِصَةُ مِنَ الْعَذَابِ وَالْآلَامِ. وَبِذَلِكَ لَمْ يَتَنَاقَضْ نَفْيُهَا مَعَ نَفْيِ الْمَوْتِ، وَهُوَ كَقَوْلِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ:
وَاللَّامُ فِي (لَهُ جَهَنَّمَ) لَامُ الِاسْتِحْقَاقِ، أَيْ هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهَا لَا مَحَالَةَ، وَيَكُونُ عَذَابُهُ مُتَجَدِّدًا فِيهَا فَلَا هُوَ مَيِّتٌ لِأَنَّهُ يُحِسُّ بِالْعَذَابِ وَلَا هُوَ حَيٌّ لِأَنَّهُ فِي حَالَةِ الْمَوْتِ أَهْوَنُ مِنْهَا، فَالْحَيَاةُ الْمَنْفِيَّةُ حَيَاةٌ خَاصَّةٌ وَهِيَ الْحَيَاةُ الْخَالِصَةُ مِنَ الْعَذَابِ وَالْآلَامِ. وَبِذَلِكَ لَمْ يَتَنَاقَضْ نَفْيُهَا مَعَ نَفْيِ الْمَوْتِ، وَهُوَ كَقَوْلِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ:
وَقَدْ كُنْتُ فِي الْحَرْبِ ذَا تُدْرَأٍ ... فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا وَلَمْ أُمْنَعِ
وَقَدْ كُنْتُ فِي الْحَرْبِ ذَا تُدْرَأٍ ... فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا وَلَمْ أُمْنَعِ
وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ (إِنَّها بَقَرَةٌ لَا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ) [الْبَقَرَة: 68] وَلَا قَوْلُهُ (زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ) [النُّور: 35] .
وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ (إِنَّها بَقَرَةٌ لَا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ) [الْبَقَرَة: 68] وَلَا قَوْلُهُ (زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ) [النُّور: 35] .
وَأَمَّا خُلُودُ غَيْرِ الْكَافِرِينَ فِي النَّارِ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فَإِنَّ قَوْلَهُ (لَا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى) جَعَلَهَا غَيْرَ مَشْمُولَةٍ لِهَذِهِ الْآيَةِ.
وَأَمَّا خُلُودُ غَيْرِ الْكَافِرِينَ فِي النَّارِ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فَإِنَّ قَوْلَهُ (لَا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى) جَعَلَهَا غَيْرَ مَشْمُولَةٍ لِهَذِهِ الْآيَةِ.
وَلَهَا أَدِلَّةٌ أُخْرَى اقْتَضَتْ خُلُودَ الْكَافِرِ وَعَدَمُ خُلُودِ الْمُؤْمِنَ الْعَاصِي. وَنَازَعَنَا فِيهَا الْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ. وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ ذِكْرِهَا وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ. اهـ (التحرير والتنوير) .
وَلَهَا أَدِلَّةٌ أُخْرَى اقْتَضَتْ خُلُودَ الْكَافِرِ وَعَدَمُ خُلُودِ الْمُؤْمِنَ الْعَاصِي. وَنَازَعَنَا فِيهَا الْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ. وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ ذِكْرِهَا وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ. اهـ (التحرير والتنوير) .
قال الفخر:
قال الفخر:
الْجِسْمُ الْحَيُّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَبْقَى إِمَّا حَيًّا أَوْ يَصِيرُ مَيِّتًا فَخُلُوُّهُ عَنِ الْوَصْفَيْنِ مُحَالٌ، فَمَعْنَاهُ فِي الْآيَةِ أَنَّهُ يَكُونُ فِي جَهَنَّمَ بِأَسْوَأِ حَالٍ لَا يَمُوتُ مَوْتَةً مُرِيحَةً وَلَا يَحْيَا حَيَاةً مُمْتِعَةً. اهـ (مفاتيح الغيب) .
الْجِسْمُ الْحَيُّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَبْقَى إِمَّا حَيًّا أَوْ يَصِيرُ مَيِّتًا فَخُلُوُّهُ عَنِ الْوَصْفَيْنِ مُحَالٌ، فَمَعْنَاهُ فِي الْآيَةِ أَنَّهُ يَكُونُ فِي جَهَنَّمَ بِأَسْوَأِ حَالٍ لَا يَمُوتُ مَوْتَةً مُرِيحَةً وَلَا يَحْيَا حَيَاةً مُمْتِعَةً. اهـ (مفاتيح الغيب) .
وقال الخطيب الشربيني:
وقال الخطيب الشربيني:
وبهذا يندفع ما قيل: إن الجسم الحيِّ لا بد أن يبقى إمَّا حياً أو ميِّتاً، فخلوه عن الوصفين محال، وقال بعضهم: إن لنا حالة ثالثة، وهي كحالة المذبوح قبل أن يهدأ، فلا هو حي لأنه قد ذبح ذبحاً لا تبقى الحياة معه، ولا هو ميت؛ لأن الروح لم تفارقه بعد، فهي حالة ثالثة. اهـ (السراج المنير) .
وبهذا يندفع ما قيل: إن الجسم الحيِّ لا بد أن يبقى إمَّا حياً أو ميِّتاً، فخلوه عن الوصفين محال، وقال بعضهم: إن لنا حالة ثالثة، وهي كحالة المذبوح قبل أن يهدأ، فلا هو حي لأنه قد ذبح ذبحاً لا تبقى الحياة معه، ولا هو ميت؛ لأن الروح لم تفارقه بعد، فهي حالة ثالثة. اهـ (السراج المنير) .
(فائدة)
(فائدة)
قال الواحدي:
قال الواحدي:
عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"إن أهل النار الذين لا يريد الله إخراجهم تُميتهم النار إماتة حتى يصيروا فحمًا، ثم يخرجون ضبائر فيلقون على أنهار الجنة، فيرش عليهم من أنهار الجنة، حتى ينبتوا كما تنبت الحبة في حميل السيل)."
عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"إن أهل النار الذين لا يريد الله إخراجهم تُميتهم النار إماتة حتى يصيروا فحمًا، ثم يخرجون ضبائر فيلقون على أنهار الجنة، فيرش عليهم من أنهار الجنة، حتى ينبتوا كما تنبت الحبة في حميل السيل)."
قال المبرد: (تأويل قوله: {لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} لا يموت ميتة مريحة، ولا يحيى حياة ممتعة، وهو يألم كما يألم الحي ليفهم ذلك، ويبلغ بهم حالة الموتى في المكروه، إلا أنه لا يبلغ الحالة التي يبطل فيها عن الفهم، والعرب تقول: فلان لا حي ولا ميت، إذا كان غير منتفع بحياته، وكذلك يقولون لمن يكلم ولم يبلغ حاجته: تكلمت ولم تتكلم، أي: لم تبلغ) . اهـ (البسيط، للواحدي) .
قال المبرد: (تأويل قوله: {لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} لا يموت ميتة مريحة، ولا يحيى حياة ممتعة، وهو يألم كما يألم الحي ليفهم ذلك، ويبلغ بهم حالة الموتى في المكروه، إلا أنه لا يبلغ الحالة التي يبطل فيها عن الفهم، والعرب تقول: فلان لا حي ولا ميت، إذا كان غير منتفع بحياته، وكذلك يقولون لمن يكلم ولم يبلغ حاجته: تكلمت ولم تتكلم، أي: لم تبلغ) . اهـ (البسيط، للواحدي) .
وقيل: المراد لا يموت فيها موتا متصلا ولا يحيا حياة متصلة؛ بل كلما مات من شدة العذاب أعيد حيّا؛ ليذوق العذاب هكذا سبعين مرة في مقدار كل يوم من أيام الدنيا. اهـ (أنموذج جليل) .
وقيل: المراد لا يموت فيها موتا متصلا ولا يحيا حياة متصلة؛ بل كلما مات من شدة العذاب أعيد حيّا؛ ليذوق العذاب هكذا سبعين مرة في مقدار كل يوم من أيام الدنيا. اهـ (أنموذج جليل) .
قال الشيخ زكريا الأنصاري:
قال الشيخ زكريا الأنصاري:
وإنما قدرنا ذلك، لأن الموت والحياة لا يرتفعان عن الشخص. اهـ (فتح الرحمن) .
وإنما قدرنا ذلك، لأن الموت والحياة لا يرتفعان عن الشخص. اهـ (فتح الرحمن) .
(فائدة)
(فائدة)
قال القصاب:
قال القصاب:
قوله: (لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى(74)
قوله: (لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى(74)
فيه دليل على أن من دخل من الموحدين بذنبه النار مات فيها، ولم
فيه دليل على أن من دخل من الموحدين بذنبه النار مات فيها، ولم
يشعر بعد الموت بألم العذاب حتى يخرج منها.
يشعر بعد الموت بألم العذاب حتى يخرج منها.
إذ لا يجوز في عدل الله - جل وتعالى - من حيث يعقل القوم أن
إذ لا يجوز في عدل الله - جل وتعالى - من حيث يعقل القوم أن
يسوي بين عذاب الكافر والمذنب، ويجمع عليهما الخلود، وذوق عذاب الأبد.
يسوي بين عذاب الكافر والمذنب، ويجمع عليهما الخلود، وذوق عذاب الأبد.
فإن قيل: كيف يموت في النار من ذاق الموت في دار الدنيا والله يقول: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى) ؟
فإن قيل: كيف يموت في النار من ذاق الموت في دار الدنيا والله يقول: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى) ؟
قيل: هذا في أهل الجنة ممن لم تمسه النار إلا تحلة القسمِ، لاَ فِيمن تمسه النار ببعض عذابها، ألا تراه يقول: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ(51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (53) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) . اهـ (النكت، للقصَّاب) .
قيل: هذا في أهل الجنة ممن لم تمسه النار إلا تحلة القسمِ، لاَ فِيمن تمسه النار ببعض عذابها، ألا تراه يقول: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ(51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (53) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) . اهـ (النكت، للقصَّاب) .