قوله تعالى: {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) }
قوله تعالى: {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) }
قال الفخر:
قال الفخر:
قَدِ اتَّفَقَ الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ أُمَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا كَانَتْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْوَحْيِ هُوَ الْوَحْيَ الْوَاصِلَ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ وَكَيْفَ لَا نَقُولُ ذَلِكَ وَالْمَرْأَةُ لَا تَصْلُحُ للقضاء وَالْإِمَامَةِ بَلْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّه لَا تُمَكَّنُ مِنْ تَزْوِيجِهَا نَفْسَهَا فَكَيْفَ تَصْلُحُ لِلنُّبُوَّةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) [الْأَنْبِيَاءِ: 7] وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْبَابِ، وَأَيْضًا فَالْوَحْيُ قَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ لَا بِمَعْنَى النُّبُوَّةِ قَالَ تَعَالَى: (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) [النَّحْلِ: 68] وَقَالَ: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ) [الْمَائِدَةِ: 111] ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الْوَحْيِ عَلَى وُجُوهٍ:
قَدِ اتَّفَقَ الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ أُمَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا كَانَتْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْوَحْيِ هُوَ الْوَحْيَ الْوَاصِلَ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ وَكَيْفَ لَا نَقُولُ ذَلِكَ وَالْمَرْأَةُ لَا تَصْلُحُ للقضاء وَالْإِمَامَةِ بَلْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّه لَا تُمَكَّنُ مِنْ تَزْوِيجِهَا نَفْسَهَا فَكَيْفَ تَصْلُحُ لِلنُّبُوَّةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) [الْأَنْبِيَاءِ: 7] وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْبَابِ، وَأَيْضًا فَالْوَحْيُ قَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ لَا بِمَعْنَى النُّبُوَّةِ قَالَ تَعَالَى: (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) [النَّحْلِ: 68] وَقَالَ: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ) [الْمَائِدَةِ: 111] ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الْوَحْيِ عَلَى وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: الْمُرَادُ رُؤْيَا رَأَتْهَا أَمُّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَانَ تَأْوِيلُهَا وَضْعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي التَّابُوتِ وَقَذْفَهُ فِي الْبَحْرِ وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى يَرُدُّهُ إِلَيْهَا.
أَحَدُهَا: الْمُرَادُ رُؤْيَا رَأَتْهَا أَمُّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَانَ تَأْوِيلُهَا وَضْعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي التَّابُوتِ وَقَذْفَهُ فِي الْبَحْرِ وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى يَرُدُّهُ إِلَيْهَا.
وَثَانِيهَا: أَنَّ الْمُرَادَ عَزِيمَةٌ جَازِمَةٌ وَقَعَتْ فِي قَلْبِهَا دُفْعَةً وَاحِدَةً فَكُلُّ مَنْ تَفَكَّرَ فِيمَا وَقَعَ إِلَيْهِ ظَهَرَ لَهُ الرَّأْيُ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْخَلَاصِ وَيُقَالُ لِذَلِكَ الْخَاطِرِ إِنَّهُ وَحْيٌ.
وَثَانِيهَا: أَنَّ الْمُرَادَ عَزِيمَةٌ جَازِمَةٌ وَقَعَتْ فِي قَلْبِهَا دُفْعَةً وَاحِدَةً فَكُلُّ مَنْ تَفَكَّرَ فِيمَا وَقَعَ إِلَيْهِ ظَهَرَ لَهُ الرَّأْيُ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْخَلَاصِ وَيُقَالُ لِذَلِكَ الْخَاطِرِ إِنَّهُ وَحْيٌ.
وَثَالِثُهَا: الْمُرَادُ مِنْهُ الْإِلْهَامُ لَكِنَّا مَتَى بَحَثْنَا عَنِ الْإِلْهَامِ كَانَ مَعْنَاهُ خُطُورَ رَأْيٍ بِالْبَالِ وَغَلَبَةٍ عَلَى الْقَلْبِ فَيَصِيرُ هَذَا هُوَ الْوَجْهَ الثَّانِيَ وَهَذِهِ الْوُجُوهُ الثَّلَاثَةُ يُعْتَرَضُ عَلَيْهَا بِأَنَّ الْإِلْقَاءَ فِي الْبَحْرِ قَرِيبٌ مِنَ الْإِهْلَاكِ وَهُوَ مُسَاوٍ لِلْخَوْفِ الْحَاصِلِ مِنَ الْقَتْلِ الْمُعْتَادِ مِنْ فِرْعَوْنَ فَكَيْفَ يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى أَحَدِهِمَا لِأَجْلِ الصِّيَانَةِ عَنِ الثَّانِي.
وَثَالِثُهَا: الْمُرَادُ مِنْهُ الْإِلْهَامُ لَكِنَّا مَتَى بَحَثْنَا عَنِ الْإِلْهَامِ كَانَ مَعْنَاهُ خُطُورَ رَأْيٍ بِالْبَالِ وَغَلَبَةٍ عَلَى الْقَلْبِ فَيَصِيرُ هَذَا هُوَ الْوَجْهَ الثَّانِيَ وَهَذِهِ الْوُجُوهُ الثَّلَاثَةُ يُعْتَرَضُ عَلَيْهَا بِأَنَّ الْإِلْقَاءَ فِي الْبَحْرِ قَرِيبٌ مِنَ الْإِهْلَاكِ وَهُوَ مُسَاوٍ لِلْخَوْفِ الْحَاصِلِ مِنَ الْقَتْلِ الْمُعْتَادِ مِنْ فِرْعَوْنَ فَكَيْفَ يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى أَحَدِهِمَا لِأَجْلِ الصِّيَانَةِ عَنِ الثَّانِي.
وَالْجَوَابُ: لَعَلَّهَا عَرَفَتْ بِالِاسْتِقْرَاءِ صِدْقَ رُؤْيَاهَا فَكَانَ إِفْضَاءُ الْإِلْقَاءِ فِي الْبَحْرِ إِلَى السَّلَامَةِ أَغْلَبَ عَلَى ظَنِّهَا مِنْ وُقُوعِ الْوَلَدِ فِي يَدِ فِرْعَوْنَ.
وَالْجَوَابُ: لَعَلَّهَا عَرَفَتْ بِالِاسْتِقْرَاءِ صِدْقَ رُؤْيَاهَا فَكَانَ إِفْضَاءُ الْإِلْقَاءِ فِي الْبَحْرِ إِلَى السَّلَامَةِ أَغْلَبَ عَلَى ظَنِّهَا مِنْ وُقُوعِ الْوَلَدِ فِي يَدِ فِرْعَوْنَ.
وَرَابِعُهَا: لَعَلَّهُ أُوحِيَ إِلَى بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ النَّبِيَّ عَرَّفَهَا، إِمَّا مُشَافَهَةً أَوْ مُرَاسَلَةً، وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْأَمْرَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا لَحِقَهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْخَوْفِ مَا لَحِقَهَا.
وَرَابِعُهَا: لَعَلَّهُ أُوحِيَ إِلَى بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ النَّبِيَّ عَرَّفَهَا، إِمَّا مُشَافَهَةً أَوْ مُرَاسَلَةً، وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْأَمْرَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا لَحِقَهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْخَوْفِ مَا لَحِقَهَا.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ الْخَوْفَ كَانَ مِنْ لَوَازِمِ الْبَشَرِيَّةِ كَمَا أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَخَافُ فِرْعَوْنَ مَعَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى كَانَ يَأْمُرُهُ بِالذَّهَابِ إِلَيْهِ مِرَارًا.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ الْخَوْفَ كَانَ مِنْ لَوَازِمِ الْبَشَرِيَّةِ كَمَا أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَخَافُ فِرْعَوْنَ مَعَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى كَانَ يَأْمُرُهُ بِالذَّهَابِ إِلَيْهِ مِرَارًا.
وَخَامِسُهَا: لَعَلَّ الْأَنْبِيَاءَ الْمُتَقَدِّمِينَ كَإِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ أَخْبَرُوا بِذَلِكَ وَانْتَهَى ذَلِكَ الْخَبَرُ إِلَى تِلْكَ الْمَرْأَةِ.
وَخَامِسُهَا: لَعَلَّ الْأَنْبِيَاءَ الْمُتَقَدِّمِينَ كَإِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ أَخْبَرُوا بِذَلِكَ وَانْتَهَى ذَلِكَ الْخَبَرُ إِلَى تِلْكَ الْمَرْأَةِ.
وَسَادِسُهَا: لَعَلَّ اللَّه تَعَالَى بَعَثَ إِلَيْهَا مَلَكًا لَا عَلَى وَجْهِ النُّبُوَّةِ كَمَا بَعَثَ إِلَى مَرْيَمَ فِي قَوْلِهِ: (فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا) [مَرْيَمَ: 17] .
وَسَادِسُهَا: لَعَلَّ اللَّه تَعَالَى بَعَثَ إِلَيْهَا مَلَكًا لَا عَلَى وَجْهِ النُّبُوَّةِ كَمَا بَعَثَ إِلَى مَرْيَمَ فِي قَوْلِهِ: (فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا) [مَرْيَمَ: 17] .
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (مَا يُوحى) فَمَعْنَاهُ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يَجِبُ أَنْ يُوحَى وَإِنَّمَا وَجَبَ ذَلِكَ الْوَحْيُ لِأَنَّ الْوَاقِعَةَ وَاقِعَةٌ عَظِيمَةٌ وَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ الْمَصْلَحَةِ فِيهَا إِلَّا بِالْوَحْيِ فَكَانَ الْوَحْيُ وَاجِبًا. اهـ (مفاتيح الغيب) .
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (مَا يُوحى) فَمَعْنَاهُ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يَجِبُ أَنْ يُوحَى وَإِنَّمَا وَجَبَ ذَلِكَ الْوَحْيُ لِأَنَّ الْوَاقِعَةَ وَاقِعَةٌ عَظِيمَةٌ وَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ الْمَصْلَحَةِ فِيهَا إِلَّا بِالْوَحْيِ فَكَانَ الْوَحْيُ وَاجِبًا. اهـ (مفاتيح الغيب) .
فإن قيل: ما فائدة قوله: (مَا يُوحَى) وقد علم ذلك؟
فإن قيل: ما فائدة قوله: (مَا يُوحَى) وقد علم ذلك؟
فقد ذكر عنه ابن الأنباري جوابين:
فقد ذكر عنه ابن الأنباري جوابين:
أحدهما: أن المعنى: أوحينا إِليها الشيء الذي يجوز أن يوحى إِليها، إِذ ليس كل الأمور يصلح وحيه إِليها، لأنها ليست بنبيّ، وذلك أنها أُلهمت.
أحدهما: أن المعنى: أوحينا إِليها الشيء الذي يجوز أن يوحى إِليها، إِذ ليس كل الأمور يصلح وحيه إِليها، لأنها ليست بنبيّ، وذلك أنها أُلهمت.
والثاني: أنّ (مَا يُوحَى) أفاد توكيداً، كقوله: (فَغَشَّاها ما غَشَّى) . اهـ (زاد المسير) .
والثاني: أنّ (مَا يُوحَى) أفاد توكيداً، كقوله: (فَغَشَّاها ما غَشَّى) . اهـ (زاد المسير) .
وقيل: فائدتُه الِإشارةُ إلى أنه ليس كلُّ الأمور، مما يُوحى إلى النساء، كالنبوَّةِ ونحوها، أو التعظيمُ والتفخيمُ أولاً، كما في قوله تعالى"فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى"والبيانُ ثانياَ بقوله (أنِ اقْذِفيهِ فِي التَّابُوتِ فاقذفيه في اليمِّ) . اهـ (فتح الرحمن) .
وقيل: فائدتُه الِإشارةُ إلى أنه ليس كلُّ الأمور، مما يُوحى إلى النساء، كالنبوَّةِ ونحوها، أو التعظيمُ والتفخيمُ أولاً، كما في قوله تعالى"فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى"والبيانُ ثانياَ بقوله (أنِ اقْذِفيهِ فِي التَّابُوتِ فاقذفيه في اليمِّ) . اهـ (فتح الرحمن) .