وأما الأرض الإسلامية فقد وقع من أهلها في هذا النوع من الشرك كل من رضي بشريعة غير شريعة الله ، مجلوبة من الشرق أو الغرب ، وكل من رفع رايةً للتجمع أو للجهاد غير راية الإسلام ، من قومية أو وطنية أو علمانية أو غيرها من الرايات التي لم يأذن بها الله .
وهؤلاء وهؤلاء يقيمون أربابًا - وإن كانت غير محسوسة - ويعبدونها من دون الله .
فالذي ينادي بالقومية أو الوطنية ويتخذ ذلك ذريعة لإقامة وطن لا تحكم فيه شريعة الله ، هو في الواقع يتخذ القومية أو الوطنية ربّا يعبده من دون الله ، سواء في ذلك من يقيم هذه الراية ومن يرضى بها ؛ لأن الأول يصدر باسمها تشريعات تحل وتحرم بغير ما أنزل الله ، والآخر يتلقى منها ويطيعها ولا يتوجه بالتلقي والطاعة إلى الله .
والذي ينادي بوجوب إفطار العمال في رمضان لأن الصيام يضر بالإنتاج المادي ، يتخذ الإنتاج المادي في الحقيقة ربّا من دون الله ، لأنه يطيعه مخالفًا أمر الله .
والذي ينادي بخروج المرأة سافرة متبرجة مخالطة للرجال باسم التقدم والرقيّ وباسم التحرر ، يتخذ التقدم والرقيّ والتحرر في الحقيقة أربابًا معبودة من دون الله ، لأنه يحل باسمها ما حرم الله ، ويطيعها من دون الله .
والذي يدعو إلى إبطال شريعة الله أو تبديل المثل الإسلامية التي تصون الأخلاق والأعراض لكي نبدو في نظر الغرب متحضرين غير متخلفين ، يتخذ الغرب وتقاليده أربابًا معبودة من دون الله ، ولو صلى وصام وزعم أنه مسلم ؛ لأن الغرب وتقاليده أثقل في حسِّه من أوامر الله ، وأولى بالاتباع والطاعة من أوامر الله !
وهكذا نجد صورًا متعددة من شرك الطاعة والاتباع تعم حياة الناس اليوم دون أن يتبينوا ما هم واقعون فيه من الشرك ، مع أن كتاب الله وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم واضحة حاسمة في هذا الأمر: أن العبادة هي التلقي من الله في كل شأن من شئون الحياة . وكما نتلقى من الله شعائر التعبد ، فنعبده سبحانه وتعالى بما تعبَّدنا به من صلاة وصيام وزكاة وحج ، كذلك نتلقى منه أمور حلالنا وحرامنا ، أي الشريعة التي تحكم أمور حياتنا في الصغيرة والكبيرة سواء ؛ لأن الله تعبَّدنا بتنفيذ شريعته كما تعبَّدنا بالصلاة والصوم والزكاة والحج ، وكلها سواء ، واعتبر التوجّه في هذه أو تلك لغير الله شركًا ،