فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 448

كذلك قيَّض الله لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم رواة حافظين وعلماء مدققين حفظوا السنة ومحصوا روايتها ونفوا الدخيل منها وأبقوا الصحيح ودوَّنوه .

ومن هنا لم يحدث في العقيدة تحريف كما حدث في عقائد أهل الكتاب .

ثم إن الدين المنزل من عند الله بقي على صورته المنزلة عقيدة وشريعة ، فلم يقسم كما فعل النصارى في دينهم ، فجعلوه عقيدة منفصلة عن الشريعة . وبقي الإسلام قرونًا عديدة يمارس في واقع الأرض بصورته المتكاملة ، فيحكم علاقة العبد بالرب ، وعلاقات الحاكم بالمحكوم ، وعلاقات الناس بعضهم ببعض بغير تفريق بين جزء من هذا الدين وجزء .

وحتى حين انحرف أغلب المسلمين في القرون الأخيرة عن حقيقة الإسلام ففصلوا الدين عن الدولة ، ووقعوا بذلك في شرك الطاعة والاتباع ، فإن انحراف قرن أو قرنين لا ينفي واقع اثني عشر قرنًا كان المسلمون فيها يعدون الإسلام عقيدة وشريعة بغير تفريق ، بعكس ما حدث عند النصارى في أوربا حيث لم يطبق دين الله في صورته المتكاملة قط .

ثم إن الإسلام ليست له"كنيسة"كالتي قامت في أوربا تحرف الدين المنزل وتفسده . وليس له"رجال دين"ولا"كهنوت"يحتفظون بالأسرار ويستحوذون بهذه الدعوى على أرواح الناس وعقولهم . إنما فيه علماء وفقهاء في أمور الدين يستنبطون الأحكام المستمدة من الشريعة الثابتة المحفوظة ، تنفيذًا لأمر ربهم: ( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) [ التوبة: 122 ] .

وهؤلاء العلماء والفقهاء يجتهدون ، يخطئون ويصيبون ، وليس لأحد منهم قداسة كرجال الكهنوت ، ولا يحلون ولا يحرمون من دون الله كما وقع في تاريخ النصرانية . والناس يحترمونهم ويوقِّرونهم لعلمهم وفضلهم ، ولكنهم لا يتخذونهم أربابًا من دون الله كما صنع أهل الكتاب بأحبارهم ورهبانهم: ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ) [ التوبة: 31 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت