ثم إن الإسلام لا يعرف الفصل بين الدين والعلم ، ولا بين الدين والحياة كما وقع في حياة النصارى في أوربا .
إن الإسلام دين الفطرة . وليس في الفطرة انفصال بين الدين والعلم ، ولا بين الدين والحياة !
ففي النفس البشرية نزعة فطرية إلى التدين ، بما أودع الله في الفطرة من التوجه إلى الخالق وعبادته ، ونزعة فطرية إلى تعلم العلم واستخدام ثماره في عمارة الأرض: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ) [ البقرة: 31 ] .
( هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) [ هود: 61 ] .
( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ) [ الجاثية: 13 ] .
ولا تعارض في الفطرة السوية بين هاتين النزعتين الفطريتين ، بل تسير النزعة إلى الإيمان والنزعة إلى المعرفة جنبًا إلى جنب ، وتتجهان وجهة واحدة .
وإذا كانت الجاهلية الأوربية المعاصرة قد فصلت بين هاتين النزعتين الفطريتين وأقامت بينهما العداء والصراع ، وأنشأت غرورًا عقليّا وفتنة بالعلم تزيد الإنسان بعدًا عن الله كلما زادت حصيلته من العلوم والمعارف ، كما قال الله في وصف الجاهليات السابقة في التاريخ: ( فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) [ غافر: 83 ] .
إذا كانت الجاهلية المعاصرة قد صنعت ذلك فإن الإسلام لا يعرف هذه التفرقة على الإطلاق ، وكتاب الله مليء بالتوجيهات للناس أن يتعلموا ويتدبروا في خلق الله ويستنبطوا السنن التي يجري بها نظام الكون ويستفيدوا منها ، ويكفي أن يكون الأمر الأول الموجَّه لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو هذه الكلمة العظيمة: ( اقْرَأْ ) التي تحمل التوجيه الشامل لطلب المعرفة . ثم يوجه الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يستزيد من المعرفة: ( وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ) ، ويقول للمسلمين جميعًا: ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ