ويقول: ( هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) [ هود: 61 ] .
ويقول: ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) [ القصص: 77 ] .
ويقول: ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ) [ الملك: 15 ] .
لذلك قامت الحركة الحضارية الإسلامية في ظل العقيدة بلا صراع بينهما ولا عداء ، وكانت بذلك فريدة في التاريخ . حركة تعمِّر الأرض ، وتجوب الآفاق وتكشف مجاهيل الأرض ، وتستثمر خيراتها بالفلاحة والصناعة والتجارة ، وهي في كل هذا عابدة لله ، تنشر النور الرباني في الأرض بنشر العقيدة الإسلامية ، وتقيم العدل الرباني بين الناس بتطبيق شريعة الله .
ليس في أصول هذا الدين ولا في تاريخه شيء واحد مما حدث في أوربا وانتهى هناك بالإلحاد والبعد عن طريق الله . إنما يقوم الإسلام ابتداء على ربط القلب البشري بالله ، وتوثيق هذه الرابطة في كل عمل أو فكر أو شعور: ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، لا شَرِيكَ لَهُ ) [ الأنعام: 162 ، 163 ] .
ومن هذه الرابطة الحية التي تربط القلب البشري بالله ، ينطلق المسلم يتعلم ويعمل ، يبتغي من فضل الله ويعمر الأرض ، ويأخذ نصيبه من المتاع المعقول المحلل له من عند الله شاعرًا بذلك كله أنه يقوم بدور الخلافة في الأرض: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) [ البقرة: 30 ] .
وقائم بغاية وجوده في الأرض من عبادة خالصة لله: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) [ الذاريات: 56 ] .
لذلك لا يتصور أن يتجه مسلم واحد في الأرض إلى الإلحاد !
بل إنها الطامة الكبرى أن يجيء"مسلمون"من الذين كان المفروض فيهم أن يكونوا رواد البشرية إلى الإيمان وإلى الحق وإلى المنهج الرباني .. يجيء هؤلاء"المسلمون !"