فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 448

فمعرفة الإنسان بأن هذه المخلوقات الهائلة تطير مباشرة بأجنحتها يهز وجدانه بلا ريب ، ويجعله يحس - من خلال عجزه - بالقدرة المعجزة التي خلق الله بها الملائكة .

فإذا زاد علمه أكثر من ذلك فعرف أن الملائكة ليسوا على مرتبة واحدة من حيث عدد أجنحتهم ، فمنهم ذوو أجنحة مثنى وثلاث ورباع ، فإنه يزيد تعظيمًا لله الخالق الذي يزيد في الخلق ما يشاء وهو على كل شيء قدير .

وإذا عرف بعد ذلك كله أنها مخلوقة من النور كما روى مسلم عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « خُلِقَتِ الْمَلاَئِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ » . [1] . (أى من الطين) فإن عجبه لا يقف عند حد. فالنور كما يراه الإنسان في عالمه المحسوس أشعة تنطلق مستقيمة في الفضاء، أما أن يكون من هذا النور مخلوقات تتحرك وتتكلم، وتتشكل بأشكال شتى [2] ، وتقوم بأعمال معينة تكلفها، فأمر وراء إدراك الحس0

وحقيقة أن خلق الله آدم من قبضة من طين الأرض معجزة هائلة يقف الحسّ أمامها عاجزًا متحيرًا ؛ لأن النقلة بعيدة بين قبضة الطين وبين هذا البشر ذي الحواس والإدراك والقصد والإرادة والقدرة على تعمير الأرض واستخدام طاقات الكون المسخرة له من عند الله .

ولكن هذه النقلة على ضخامتها أيسر في حسّ الإنسان من خلق الملائكة من النور . فالطين على أي حال مادة مجسمة ، وجسم الإنسان مادة ماثلة للعيان . أما النور فإنه ليس مادة .. فكيف يكون مادة للخلق إلا أن تكون قدرة الخالق المبدع متجاوزة كل حد يستطيع العقل أن يصل إليه . فتبارك الله أحسن الخالقين .

وحين يأخذ الإنسان حظه من استشعار عظمة الله الخالق المبدع ، فإن قلبه يأنس لهذه المخلوقات ترفّ حوله وتملأ جنبات الكون .

(1) - صحيح مسلم- المكنز - (7687 ) -المارج: لهب النار المختلط بسواها

(2) جاء في حديث جبريل: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِى عَنِ الإِسْلاَمِ. .... قَالَ لِى « يَا عُمَرُ أَتَدْرِى مَنِ السَّائِلُ » . قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ « فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ » .. رواه مسلم0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت