يرفرف بروحه طليقًا من القيود . ويعود ينظر إلى الناس وإلى الوجود كله من حوله بنظرة جديدة وروح جديدة . فإذا بينه وبين الناس تعاطف ورحمة ، وبينه وبين الوجود مودّة وتجاوب . ويحس فوق ذلك كله أنه قريب من الله ؛ لأن مشاعره صارت أنظف وأطهر ، وشعوره بعظمة الله أكبر ، وتطلعه إلى رحمة الله أشد . كم تستغرق هذه اللحظات من حياة البشر ؟ وكم يطيقون أن يرتفعوا إليها ؟
إنها لحظات قليلة ولا شك في حياة الإنسان . ولكنها في نفسه عميقة الأثر . وإن آثارها لتظهر في طمأنينة نفسه من الداخل وفي طريقة تعامله مع الناس في الخارج . فيعاملهم بالمودة والرأفة ، وتتسع نفسه لاحتمال الجهد والصبر على ما يلقاه من الناس !
وحين تتكرر هذه اللحظات وتتقارب فإنها تعطي صاحبها سمة واضحة ، ويعرف الناس أن صاحبها عظيم ، وأنه ليس كالآخرين الذين يعيشون في إطار مصالح الأرض القريبة وشهوات النفس الهابطة .
ولكن للبشر على أي حال طاقة معينة يقفون عندها في هذه الأمور ، وبقدر ما يحصّلون منها تكون عظمتهم بالقياس إلى غيرهم من البشر .
والآن فلنتطلع إلى أفق آخر ..
فلنتصور إنسانًا لا يعيش هذه المشاعر لحظات متفرقة ، ولا حتى لحظات متقاربة ، إنما هي الأصل في حياته ، وهي الزاد الدائم الذي تتغذى به روحه ، والأفق الدائم الذي يحلق فيه .. كيف يكون نوع مشاعره ، وعلى أي درجة من العظمة يكون ؟
ذلك ، بشيء من التقريب ، هو النبي - كل نبي ! - ثم تتفاوت مراتبهم بعد ذلك في الفضل !
ولنأخذ القضية كذلك من الجانب الآخر ..
إن الإنسان ليحس في بعض اللحظات أن الله راض عنه ، وقريب برحمته منه ، فكيف يكون أثر هذا الإحساس في نفسه ومشاعره ؟ ألا يحس أن نفسه تتسع وتتسع ، وروحه تصفو وترتفع ؟ ألا يحس بأن ذلك الفيض الإلهي قد ملأ قلبه بالنور ، ورفعه درجات عن الأرض ، حتى لكأنه ليس جسدًا جاثمًا على الأرض ، ولكنه روح ترفرف في السماء ؟