معين هو أدنى من مرتبة النبوة . فإذا اختار الله واحدًا من البشر الممتازين ليجعله نبيًا فإنه يرفعه من مكانه الذي كان فيه ليضعه في مرتبة جديدة عالية لم يكن ليصل إليها من ذات نفسه مهما اجتهد ، لأنه خارج الحدود التي يستطيع البشر أن يصلو إليها باجتهادهم . ويصبح منذ لحظة اصطفائه شخصية أخرى ، بشرية - نعم - في كل تصرفاتها العادية ، ولكنها مشتملة على عنصر جديد لا يُتاح للبشر العاديين ، ذلك هو الاتصال بالله عن طريق الوحي .
( وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ) إلى قوله: ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ) [ الفرقان: 7 - 20 ] .
فهم بشر فيما يتعلَّق بالأمور العادية ، يُولدون ويموتون ، ويأكلون الطعام ، ويسعون وراء الرزق ، ويتزوج منهم من يتزوج ويكون لهم ذرية أو لا يكون حسبما قدَّر الله لهم ، ويفرحون ويتألَّمون ، ويجري عليهم كل ما يجري على البشر في هذه الشئون . ولكنهم ينفردون بهذه الخاصية الفريدة وهي تلقي الوحي من عند الله ، وإرسالهم للناس ليبلغوهم ما أوحى الله به إليهم من الهدى والتبيان: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) [ الأنبياء: 25 ] .
( رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ) [ غافر: 15 ] .
كيف تتم لهم هذه الخاصية ، وكيف تكون نفوسهم ومشاعرهم حين توهب لهم القدرة على تلقي الوحي من الله ؟!
لا نستطيع نحن البشر العاديين أن نعرف ذلك يقينًا لأنها تجربة خارجة عن حدود بشريتنا ، ولكنا نستطيع القياس للتقريب .
إن الإنسان منا ليحس أحيانًا - ولو نادرًا - بشيء من الصفاء الروحي ، فيحس كأن فيضًا من النور يشع من حوله ويملأ نفسه ومشاعره ، ويحس كأنه أصبح كائنًا جديدًا غير الذي كان من قبل ، لا تثقله ثقلة الأرض ، ولا ينحبس في إطار جسده المحدود ، ولكنه