فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ، أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ، أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ ، نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ ، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) [ الواقعة: 63 - 74 ]
وبذلك يرده إلى الحقيقة ، وهي أن الله هو المنشئ والصانع ، وأنه إذا كان - سبحانه - قد يسَّر للإنسان تسخير طاقات السماوات والأرض لعمارة الأرض وسكناها والاستمتاع بخيراتها ، فكل ذلك من عنده - سبحانه - وبما أودع الإنسان من قدرة على التعرف على سنن الله التي يدير بها الكون ، واستخدام هذه المعرفة لمنفعته . ولكن الإنسان بذاته لا يملك شيئًا ! ولو شاء الله لجعل الزرع حطامًا بعد أن يبذل الإنسان كل جهد فيه ! ولو شاء لجعل الماء النازل من السحاب أجاجًا لا يصلح للشرب [1] ،، ولو شاء كذلك لم ينشئ المادة التي تتولد منها الطاقة الحرارية التي يستدفئ بها الإنسان فأوجعه البرد أو قضى عليه !
كذلك يفرح الإنسان بما عنده من العلم ويحسب أنه من عند نفسه ، وأنه مستغن به عن الله ، فيذكّره الله: ( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) [ النحل: 78 ] .
فأدوات المعرفة هي أصلًا منحةٌ من عند الله ، فضلًا عن أنها لا تؤدِّي إلى المعرفة بذاتها ، وإنما بما أودعها الله من قدرة على التعلم: ( الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) [ العلق: 4 ، 5 ] .
ولو شاء الله لذهب بسمع الناس وأبصارهم وأفئدتهم فلا يقدرون على شيء ! أو لو شاء الله لسلب قدرتهم على التعلم فلا يقدرون على شيء مع وجود السمع والأبصار !
(1) إن مشيئة الله هى التى جعلت عملية البخر التى ينشأ منها السحاب والمطر تصعد الماء العذب إلى السماء وتترك الملح في جوف البحر، فينزل المطر من السحاب عذبًا صالحًا للشرب، ولو شاء الله لغير سننه فجعل المطر ينزل أجاجًا كماء البحر فيموت الإنسان عطشًا. وإلى ذلك تشير الآية: (( لو نشاء جعلناه أجاجًا فلولا تشكرون ) )0