الحقيقتين في آن واحد: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} (10) سورة النحل ،كما يلفته أيضًا إلى الشجر النابت من هذا الماء، فلا يعود المطر النازل من السماء ظاهرة مكررة مألوفة منقطعة في حسه عن الله الذى أنزله من السماء، إنما تصبح موصولة بقدرة الله، فتحيا في النفس وتؤثر فيها، بربطها بالله المنعم الوهاب 0
ويستمر السياق يعرض أنواعًا من النبات الذى أشارت إليه الآية السابقة، فيذكر الزرع بعمومه، والزيتون والنخيل والأعناب، (( ومن كل الثمرات ) )0
وهذه الطريقة في ذكر بعض الأنواع بالتفصيل والإشارة العامة إلى بقيتها تجعل الخيال يتحرك لتقصى ما لم يذكر بتفصيله بعد أن تتبع المذكور منه بالفعل! وهكذا يشترك الخيال مع الوجدان في تصور المشهد، ويعطى له حيوية جديدة فلا يعود هو المشهد المكرر المألوف الذى تبلد عليه الحس!
ثم يشير السياق إلى الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم. وكلها مشاهد مألوفة مما يتبلد عليه الحس بالتكرار، ولكن السياق يذكر أمرًا جديدًا يغير وضعها في النفس، ويجعلها كأنها تعرض لأول مرة، ذلك هو قوله تعالى: (( وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ) )0
فالليل والنهار والشمس والقمر والنجوم لم تعد تلك الظواهر الكونية المعتادة التى ألفها الحس ففقدت دلالتها في النفس،، إنما هى كائنات مسخرة بأمر الله. ولا شك أن هذا المعنى قد غير صورتها تمامًا عن الصورة المعهودة التى تبدو فيها هذه الظواهر وهذه الأجرام السماوية كأنها قائمة بذاتها، مستقلة عن أى شىء بحركتها! كلا! إنها تقوم بعمل معين. تقوم بتكليف ربانى كلفها الله إياه، وإذن فحركتها الدائبة ليست حركة آلية كما يتصورها الحس المتبلد، إنما هى حركة حية ذات غاية وهدف، وكل جزء من هذه الحركة في ليل أو نهار هو قيام بجزء من التكليف الذى يبلغ غايته يوم يغير الله نظام هذا الكون كله في اليوم الموعود. وذلك فضلًا عن التذكير بنعمة الله في قوله تعالى: (( وسخر لكم