فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 448

* وتبعًا لهذه المهمة تجيء المهمة الثانية وهي تعريف الناس بالمنهج الحق الذي تستقيم به حياتهم في الدنيا وينالون به رضوان الله في الآخرة . وذلك بتبليغ ما أوحى به الله إليهم ، وشرحه وبيانه ، وتعريف الناس بطريقة تطبيقه وتدريبهم على ذلك كما يفعل المعلم مع تلاميذه حتى يطمئنوا أن أتباعهم قد وعوا ما أنزل الله وعيًا صحيحًا وطبقوه التطبيق الصحيح .

وهذه المهمة تحتاج منهم إلى الصبر والمثابرة وسعة الصدر لأنها ليست مجرد إلقاء دروس عابرة ، ولا قراءة من كتاب . إنما هي مهمة التعليم ، بكل ما يشتمل عليه التعليم من مشقات .

* ولا تقتصر مهمة الرسل على التعريف والتعليم ، على ما لهذا الأمر من أهمية بالغة في حياة الناس ، إنما تمتد إلى التربية . فليس دين الله معلومات تلقى ثم تحفظ . إنما هو سلوك عملي بمقتضى التعليم الرباني . والسلوك العملي لا يكتسب فجأة ، ولا يكتسب بغير جهد يبذله المربِّي والمتلقي على حد سواء . المربِّي - وهو هنا الرسول - يبذل جهده في التوجيه والملاحظة والمتابعة والتذكير والصبر الطويل على انحرافات الناس حتى تستقيم ، وبذل النصح باللين والمودة حتى تتقبله النفوس وتعمل بمقتضاه . والمتلقي يبذل الجهد في ضبط أهوائه حتى تستقيم مع المنهج المنزل ، ومقاومة الشهوات التي تجنح به عن الطريق ، ودفع وساوس الشيطان التي تزين له المعصية والبعد عن طاعة الله .

ومهمة التربية من أشق المهام التي يقوم الرسل بأدائها ؛ لأن النفوس لا تستقيم على المنهج الصحيح بمجرد دعوتها إليه ! حتى لو عرفت وآمنت بأنه هو الحق ، وأنه هو الأولى بالاتباع ! ذلك أن في النفوس نزعات دائمة التطلع إلى متاع الحياة الدنيا ولذائذها ، ويحتاج ضبطها داخل حدود الله التي يقول الله عنها: ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا ) [ البقرة: 229 ] . ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا ) [ البقرة: 187 ] .

يحتاج هذا الأمر إلى جهد ليس بالقليل ، وإلى تذكير دائم بالله وخشية منه ، لأن لحظة الغفلة التي ينسى فيها الإنسان ذكر ربه هي التي يتحينها الشيطان لينفذ منها إلى قلب الإنسان: ( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ ) [ طه: 115 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت