لقد كان في تاريخ البشرية"قادة"كثيرون و"زعماء"و"مصلحون". ولكنهم - ما عدا القلة المؤمنة منهم - كانوا محدودي الأثر في حياة الناس ، ولا يعدو تأثيرهم - مهما عظموا - الجيل الذي عاشوا فيه ، أو على الأكثر بضعة أجيال قليلة بعدهم .
والسبب في ذلك واضح:
1-فهم غالبًا ما يتصدون لحل مشكلة جزئية في حياة أقوامهم . ويحلونها في حدود البصيرة البشرية المحدودة الآفاق .
2-ثم إن أشخاصهم لا تخلو قط من انحراف من الانحرافات البشرية العديدة ، ومن نقص وهبوط في بعض الجوانب .
ولهذين السببين معًا يكون تأثيرهم - مهما عظم - محدود النطاق .
انظر إلى الزعيم السياسي - أيّ زعيم سياسي في حياة البشرية - ما مهمته التي يسعى إلى تحقيقها ؟
إن مهمته محصورة في تجميع أمته من شتات . أو تخليصها من نفوذ أجنبي مسيطر عليها . أو السعي إلى تغليبها على الأمم الأخرى .
لكن ، ما القيم والمعايير التي يبنى جهاده عليها ، ويوجه أمته إليها ؟
إنها - مهما كانت - قيم ومعايير محدودة لأنها مرتبطة بمتاع الأرض القريب ، منقطعة عن الله والآخرة . ومن ثم فهي قيم هابطة وإن بدت مرتفعة في أعين الناس في فورة حماستهم السياسية التي يدفعهم زعماؤهم إليها ! وستظل أخلاق الناس معوجة في مجموعها وإن حسنت بعض جزئياتها ، لأنها أخلاق محكومة بتلك القيم الأرضية المحدودة . وستظل النفوس في انحرافها وإن ارتفعت مؤقتًا في فورة حماستها ، لأن الأهداف التي تسعى إليها أهداف لا تتعلق بأصل الوجود الإنساني بقدر ما تتعلق بعارض من عوارض هذا الوجود . وقد يصلح العارض ويظل الأصل بعيدًا عن الصلاح .
لذلك تقرأ سِيَر الزعماء السياسيين في تاريخ البشرية - غير القلة المؤمنة - وتبحث عما خلّفوا في الأرض فلا ترى إلا آثارًا كالأطلال !