واقرأ سيرة أي قائد حربي من عظماء التاريخ .. فما المهمة التي قام بها وما الآثار التي خلفها ؟
إن مهمته محصورة في قيادة الجند وتوجيههم إلى القتال ، والانتصار بهم في أكبر قدر من المعارك التي يخوضونها . نعم ! ولكن فيم كانت الحرب ذاتها ؟ لأي هدف خاضها ، ولأي شيء انتصر بجنده فيها ؟ أمن أجل الحق والعدل ؟ أمن أجل تثبيت مثل أعلى وإقرار وجوده في حياة البشر ؟ أم من أجل الغلبة وتوسيع الرقعة الأرضية وشهوة السيطرة على الآخرين وإذلالهم ؟ وفي أي شيء يختلف الغالب والمغلوب ؟ أم إنهما سواء ، كل منهما يتمنى أن يفتك بالآخرين لو استطاع ؟!
ما سمعنا - في غير القلة المؤمنة من قواد التاريخ - أن أحدًا منهم قام من أجل مثل أعلى يريد إقراره في الأرض ، أو قيمة عليا يجاهد من أجلها ، ليرفع من نفوس البشر ويقربهم إلى مستوى الإنسانية ! إنما الذي يغلب عليهم هو شهوة الفتح وزهو الغلبة والمطامع الأرضية المتمثلة في توسيع الرقعة وزيادة الثروة على حساب المغلوبين و"وويل للمغلوب"! كما قال واحد ممن يحسبون قادة في التاريخ [1] ، لأن الحرب ليست لها أخلاق ! ولا قانون يحكمها إلا قانون الغاب: القوي يأكل الضعيف ! لذلك تبحث عن آثارهم الباقية في التاريخ فلا ترى إلا بعض البطولات الفردية في القتال ، ولكن لا تجد قيمًا باقية . وحتى الإمبراطوريات الضخمة التي يكونونها على عهدهم سرعان ما تتفسخ وتنطوي لأنها لا تمثل"قيمًا"إنسانية ، إنما تمثل شهوات بشرية فحسب ! وانظر سير"المصلحين"الاجتماعيين ... كيف يصلحون ؟ وما آثارهم الباقية في التاريخ ؟
أغلبهم - فيما عدا القلة المؤمنة المهتدية بهدي الله - ذوو نظرات جزئية ، تتفق مع جزئية التفكير البشري وعدم قدرته على الإحاطة ، فضلًا عن الجهل الأصيل بطبيعة النفس البشرية ودروبها ومنحنياتها ، وما يصلحها وما يصلح لها !
أغلبهم يتناولون مشاكل اجتماعية جزئية يجدونها قائمة في مجتمعاتهم دون أن يتعمقوا إلى الأصول التي تنشأ عنها المشكلات ، ثم يحلونها حلولًا جزئية كذلك بغير تقويم شامل
(1) هو الإمبراطور (( غليوم ) )إمبراطور ألمانيا وأحد قادتها العسكريين 0