ولو كانت الحياة الدنيا هي نهاية المطاف لصحت دعوى أولئك المصلحين فيما يدعون إليه من ألوان"الإصلاح"! وإن كانت في واقع الأمر لا تحقق كل مصالح الناس وتورث كل جيل مفاسد الجيل الذي قبله !
فكيف والحياة التي يحياها الناس على الأرض هي أقصر مراحلها ؟! سنوات معدودة هي سنوات العمر المحدود ، وبعد ذلك من الآماد ما لا يحصيه إلا الله ! ثم بعد ذلك الخلود !
ألا إنه هو الخسران المبين حين ينحصر تفكير الناس في الحياة الدنيا ، ولو أصلحوا كل أمور الحياة الدنيا واستمتعوا فيها بكل ما يشتهون ( أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ، ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ ، مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ) [ الشعراء: 205 - 207 ] . فكيف وهم لا يصلحون كل أمور الأرض ؟ وكيف ونعيم الأرض دائمًا مشوب ، وأقل عيوبه القلق الدائم عليه من تقلب الأحوال ، وهي دائمًا تتقلب ، ومن الموت وهو لا بد أن يجيء ؟!
إنها الخسارة المضاعفة .. في الحياة الدنيا وفي الحياة الآخرة: ( وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) [ العنكبوت: 64 ] .
لذلك فكل علم الأرض لا ينفع ، إذا انقطع بالإنسان عن الله واليوم الآخر . إنما العِلْم النافع هو الذي ينفع الناس في دنياهم وآخرتهم معًا ، فيحقق لهم مصالحهم الحقيقية في الدنيا ، ويصل بهم إلى دار الأمان في الآخرة: ( وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ ) [ ابراهيم: 23 ] .
( وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ ، لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) [ الأنبياء: 102 ، 103 ] .
العلم النافع هو المعرفة اليقينية بالله واليوم الآخر ، واتباع ما أنزل الله في الحياة الدنيا . هذا هو الذي يضمن للناس حاضرهم ومستقبلهم . فأما حاضرهم فيصلح ويستقيم باتباع المنهج الرباني ، وأما مستقبلهم فيصلح بدخول الجنة التي وعد الله بها المتقين من عباده ، الذين آمنوا به في الحياة الدنيا واستقاموا على أوامره وانتهوا عن نواهيه . وعندئذ يكون