وفي هذا المجال - وهو مجال الحياة الأصيل في الحقيقة - نجد أن الفضل الأكبر هو للأنبياء والرسل قبل كل الخلق ، لأنهم هم - بما أوحى إليهم ربهم ، وبما جاهدوا في سبيل الله - هم الذين قرروا تلك المبادئ والقيم في واقع الأرض ، وجعلوها حقيقة واقعة في عهدهم ، وتراثًا يُتَنََاقل من بعدهم .
ونستطيع أن نقول في اطمئنان إن كل ما عرفته البشرية من خير حقيقي مرجعه إلى الوحي الرباني الذي حمله الرسل ودعوا إليه ، ووثّقوا وجوده الواقعي في الأرض بجهادهم ، وإن كل ما أصاب البشرية من شر كان سببه الانحراف عن تعاليم الرسل وعدم الاقتداء بهم . وحين يختلط الحق بالباطل كما هو اليوم ، ويختلط الخير بالشر كما يحدث في كل جاهلية ، يكون ما بقي من الخير في الأرض - أيًا كان مقداره - راجعًا إلى الأنبياء والرسل ، وما فيها من الشر راجعًا إلى الناس .
إن كل ما تتشدق به البشرية اليوم من الحق والعدل والحرية والإخاء والمساواة مستمد - في أصله - من تعاليم الرسل ، مع فارق واحد: أنه كان على يد الرسل حقيقة واقعة ، ربّوا عليها أتباعهم ، وجعلوها سلوكًا واقعيًا في حياتهم ، وهي على يد الأفَّاقين اليوم كلام جميل يخدع به الناس دون أن يكون له رصيد من الواقع !
وإن الفترات المشرقة في تاريخ البشرية كله هي الفترات التي سادت فيها تعاليم الرسل وكانت واقعًا يعاش بالفعل ولا يكتفي بأن يردد بالقول .
وتلك الفترات هي فترات الحضارة الحقيقية والمدنية الفاضلة ، وما عداها فهو حضارات جاهلية زائفة ، يختلط فيها الخير بالشر ، ثم يظل الشر يتزايد حتى يصبح هو الغالب على حياة الناس ، ويظل يأكل ما بقي من خير متضائل حتى ينهار البناء كله على من فيه كما يوشك أن يحدث اليوم .
ولن ينقذ البشرية من الدمار اليوم - ولا في أي يوم - إلا أن تعود إلى تعاليم الرسل تطبقها في واقع حياتها ، وإلا أن تعود مسلمة إلى ربها: ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ ) [ آل عمران: 19 ] .