لقد كانت الجاهليات تأخذ الأمر من جانب التكذيب لا من جانب التصديق . ولذلك كانت الحكمة تخفى عليها !
كانوا يكذّبون ابتداءً بالوحي ، ويعتبرونه شيئًا غير قابل للتصديق ! ثم يبنون على ذلك تصورات خاطئة من عند أنفسهم . كانوا يقولون: إنه لا يمكن أصلًا أن يوحي الله إلى واحد من البشر بشيء ! ذلك أن تصورهم لقدرة الله ناقص ومحدود: ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ) [ الأنعام: 91 ] .
وتصورهم كذلك للطاقة البشرية محصور في نطاق ذواتهم فحسب . ولما كانوا هم لا يتلقون وحيًا ولا يخطر في بالهم أن يتلقوا شيئًا من الوحي قط ، فهم يقيسون كل البشر على أنفسهم ، فيقولون: إنه لا يمكن أن يتنزل الوحي على أي واحد من البشر على الإطلاق ! ( وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا ) [ الإسراء: 94 ] [1] .
ثم يرتّبون على هذه الاستحالة تصورًا آخر خاطئًا ، فيقولون: إنه إذا كان الله يريد فعلًا أن يصنع هذه العجيبة الخارقة وهي تنزيل الوحي ، فلا بد أن يكون كل ما يتعلق بهذه الظاهرة عجيبًا وخارجًا عن تصور البشر . ومن ثم فلا يجوز - في نظرهم - أن يتنزل هذا الوحي على واحد من البشر لأن الكيان البشري شيء عادي ومألوف ، فلا يتناسب معه ذلك الشيء غير المألوف وهو الوحي ! إنما الذي يتناسب معه - في وهمهم - هو عجيبة أخرى خارقة ، هي نزول ملك من السماء يتنزل عليه الوحي ، أو - في القليل - يكون مع الرسول الذي يتنزل عليه الوحي ( فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ [2] مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ ) [ المؤمنون: 24 ] .
(( وقالوا لولا أنزل عليه ملك ) ) (الأنعام:8)
( وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ) [ الأنعام: 8 ] .
(1) من العجيب الذى يلفت النظر أن هذه التصورات الجاهلية ما تزال تتردد بذاتها في كل جاهلية حتى جاهلية القرن العشرين!
(2) قوم نوح عليه السلام 0