( وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ) [ الفرقان: 7 ] .
وهكذا نرى ضلال الجاهليات من خلال تصوراتها الضالة عن قدرة الله وحدود الطاقة البشرية ، يعميها عن حكمة إرسال الرسل من البشر دون الملائكة .. ولو قدروا الله حق قدره وعرفوا أن قدرة الله ليست محدودة بحدود تصورهم الضيق ، وإنما هي قدرة بغير حدود: ( إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [ النور: 45 ] .
ولو عرفوا أن الطاقة البشرية ليست محصورة في نطاق ذواتهم ولا في نطاق علمهم ، وأن هناك جوانب من النفس البشرية تخفى على العلم وإن بدت آثارها واضحة كظاهرة التفكير والتذكر [1] ،وجوانب أخرى أشد خفاء لا يكاد الإنسان يعرف لها كنهًا كظاهرة التخاطر عن بُعد [2] ،وأن الله يصطفي أفرادًا من البشر فيمنحهم القدرة على تلقي الوحي بأجهزة خاصة في داخل نفوسهم دون أن يخرجهم ذلك عن حدود بشريتهم .. لو عرفوا ذلك كله ما عجبوا أن جاءهم منذر منهم ، وما استنكروا هذا الاستنكار فقالوا: أبَعثَ الله بشرًا رسولًا ؟! وما طلبوا هذا الطلب الساذج: لولا أنزل عليه ملك ؟!
لقد غفلوا في طلبهم ذلك عن عدة أشياء:
(أ) أن الملائكة لا يمشون في الأرض مطمئنين كالبشر ، لأنهم لم يخلقوا لسكنى الأرض ! ( وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا ، قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا ) [ الإسراء: 94 ، 95 ) .
(ب) أن الملك لو نزل على الأرض فلا بد له أن يتخذ صورة البشر ، عندئذ لا يستطيعون أن يتعرفوا على حقيقته الملائكية ، ولا أن يميزوا بينه وبين سائر البشر: ( وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ ) [ الأنعام: 9 ] .
(1) لا يعرف العلم كيف تتم عملية التفكير ولا عملية التذكر مع أنها تحدث في كل يوم وكل ساعة 0
(2) أى تبادل الخواطر أو الأحاسيس عن بعد، أو الإحساس مقدمًا بأن شيئًا سيقع أو أن شخصًا سيحضر. وهناك شواهد يومية تقع في حياة الناس تؤكد وجود هذه الظاهرة 0