(جـ) أن من سنة الله حين تكذب الجاهلية رسولها وتصر على التكذيب بعد نزول الآية التي يطلبونها لكي يتأكدوا من صدق رسولهم ، فإن الله ينزل الملائكة عندئذ ، ولكنه ينزلهم بأمر معين هو التدمير الفوري على أولئك الكافرين: ( وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ) [ الأنعام: 8 ] .
( يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ) [ الفرقان: 22 ] .
(د) أن الحكمة منتفية تمامًا في جعل الرسول من غير البشر أنفسهم ، إن الرسول لا يأتي للتبليغ فقط ، أي إنه لا يأتي ليبلغ الناس أمرًا معينًا من عند الله ثم يمضي . وإنما يمكث مع الناس حتى يربي فئة منهم على الحق يكون هو بذاته القدوة العملية لهم ، ويكونون هم بدورهم قدوة للناس: ( لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) [ الحج: 78 ] .
فأين تتحقق القدوة إذا كان الرسول من غير البشر ؟! ألا يقول الناس يومئذ: هذا ملك ونحن بشر ! لنا أجساد ونزعات وشهوات !؟ بلى ! سيقولون ! وسيمتنعون عن الالتزام بأمر ربهم بحجة أن هذا الالتزام ليس في وسع البشر ولا هو من شأنهم إنما هو من شأن الملائكة الذين لا يسكنون هذه الأرض ، ولا يحسون بثقلة الأرض تشدهم عن طريق الرغبات والشهوات ! وعندئذ سيقولون: كيف يرسل الله إلينا ملكًا ويطلب منا الاقتداء به في أعماله ! أفلا يرسل إلينا بشرًا مثلنا ، يحس كما نحس ، ويفكر كما نفكر ، ويشعر بضروراتنا وبحدود طاقتنا ؟!
وذلك هي الحكمة الكبرى من إرسال الرسل بشرًا ، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ، حتى لا يقف اختلاف الجنس حائلًا بين الناس وبين الاقتداء برسولهم فيما يفعل وما يقول ، وحتى تتمثل الأسوة للبشر في واحد من جنسهم ، له ذات تركيبهم ، وذات مطالبهم ، وذات ضروراتهم البشرية من طعام وشراب وملبس ومسكن .. إلخ .
حقيقة إن الرسل - إذ يصطفيهم الله ليبعثهم إلى الناس - يصوغهم صياغة خاصة تتناسب مع هذا الأمر العظيم ، وتكون لهم طاقات تفوق طاقات البشر العاديين ، فضلًا عن أن