والنفع ، وأنتم تشركون به وتعصون أمره ؟! فأيّنا أحق بالأمن ؟ الذي يلجأ إلى الإله الحق ويدخل في حماه ، أم الذي يحتمي بغير حمى سوى الأوهام ؟
ثم يقرر الحقيقة التي تلخص الموقف تلخيصًا حاسمًا: ( الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ [1] أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ )
وليس الأمن المقصود هو السلامة من الأذى في الحياة الدنيا . إنما هو السلامةُ من عذاب الله في الآخرة مع الاطمئنان إلى قَدَرِ الله في الحياةِ الدُّنيا ، وأنّ كلَّ ما يصيبُ المؤمنَ هُوَ خَيرٌ له [2] 0
وتلك هي بلاغة الحجة التي منّ الله بها على إبراهيم في محاجته لقومه ، نراها مع سرعة البديهة في موقف آخر في مناقشة"النمرود"وهو الطاغية الجبار الذي كان يحكم الأرض التي يعيش فيها إبراهيم .
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) [ البقرة: 258 ] .
على أن الأمر لم ينته بين إبراهيم وقومه بتلك المحاجة التي وقعت بينهم وبينه . فقد اعتزم إبراهيم أن يقتلع الشرك بيديه ، فعمد إلى تلك الأصنام التي يصرون على عبادتها ، فحطمها في غفلة من القوم !
( وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ، قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ ، قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ، قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ ، قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ ، وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ ، فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ، قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا
(1) الظلم المقصود هنا هو الشرك، وبيان ذلك قوله تعالى في سورة لقمان: (( وإذ قال لقمان لأبنه وهو يعظه يا بنى لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ) ) (لقمان:13) 0
(2) - عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ » .صحيح مسلم- المكنز - (7692 ) 0