( قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ، فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ ، وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ، رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ، فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ) [ الصافات: 97 - 102 ] .
لقد رأى إبراهيم في منامه هذه الرؤيا التي فهم منها أن الله يأمره بذبح ولده الحبيب إسماعيل الذي وُهِب له على الكبر: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ) [ ابراهيم: 39 ] .
إنه موقف لا تطيقه أعصاب أيّ أب ، فضلًا عن إبراهيم الرقيق المشاعر ، الفيّاض الوجدان .. ولكنه أمر من الله فهل يعصيه ؟! كلا ! إن إبراهيم لا يعصي ربه بحال ولو كان الأمر فوق الاحتمال .
بل إن الفتى ليسلم أمره لله في هذا الموقف العصيب ، ويستسلم لقدر الله: ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) [ الصافات: 102 ] .
إن كل ما يملكه الإنسان من الخيال لا يستطيع أن يصور تلك اللحظة الرهيبة ، لحظة أن همّ إبراهيم بذبح ولده الحبيب ، استجابة لأمر الله .
موقف لا يطيقه إلا أولو العزم .. ولقد أطاقه إبراهيم ..
( فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ) [ الصافات: 103 ] .
ولكن الله تداركه برحمته .. لم يكن الله يريده حقًا أن يذبح ولده .. إنما كان"يبتليه".. كان يختبره .. إلى أي مدى هو على استعداد لإطاعة الله فيما يأمر ؟ هل يطيعه في الأمر الهين ويتوقف عن طاعته في الأمر العظيم ؟ أم هو على استعداد دائم لإطاعة الله أيًا كان الأمر الصادر إليه من الله ؟
ولقد نجح إبراهيم في الابتلاء .. بل نجح نجاحًا باهرًا لا يقدر عليه إلا أولو العزم الشديد .. فنزلت رحمة الله: