في تلك الظروف العصيبة وُلِدَ موسى عليه السلام ، فخافت عليه أمه من عيون فرعون أن يكشفوا وجوده فيقتلوه . وهنا تبدأ نعم الله عليه ، إذ يوحي إلى أمه بالوسيلة التي تحفظه من القتل ، وإن كانت تبدو في عينها وسيلة عجيبة ، هي أعجب ما يخطر في البال على الإطلاق !
ولنرجع إلى سورة القصص نأخذ منها تفصيل قصة موسى:
( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) [ القصص: 7 ] .
يا لها من بشارة في أحرج اللحظات ، وإن كانت الوسيلة عجيبة لولا أنها من عند الله .
أرضعيه ولا تخافي ! وإذا خفت عليه من جنود فرعون فألقيه في اليم ! ولا تخافي ولا تحزني ! إنّا رادوه إليك .. وليس هذا فحسب . بل إنّا جاعلوه كذلك من المرسلين .
ولم يطمئن قلب أم موسى أن تبقيه في بيتها وترضعه ! وكأنها اطمأنت إلى الوسيلة الثانية أكثر ، فهو في اليم أبعد عن جنود فرعون ! ولكن قدر الله من وراء ذلك كان يرتب أمرًا ! ( فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ، وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) [ القصص: 8 ، 9 ] .
لقد حمله التيار إلى قصر فرعون فالتقطوه . ولقد عرفوا من قرائن الحادث أن هذا وليد من بني إسرائيل فهمّوا بقتله بادئ ذي بدء حسب أوامر الفرعون . ولكن الذي يجري في الكون هو أمر الله لا أمر الفرعون ولا غيره من الكائنات ، ولئن كان أمر فرعون ساريًا ونافذًا فليس لأنه الفرعون ذو الجبروت ، ولكن لأن الله قد قدَّر ذلك لأمر يريده - سبحانه - ويعلمه ، فإذا أراد الله أن ينجو موسى من القتل ، فلن يستطيع أمر فرعون أن ينفذ ! لأنه لم يكن نافذًا من قبل بذات نفسه ولكن بمشيئة الله ، فإذا وقفت مشيئة الله في طريقه فأنَّى له النفاذ ؟!
بل تتم السخرية العظمى بآل فرعون - بقدر الله المقدر - أن يكونوا هم الذين يتولون حمايته وتربيته ( لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ) ( وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) !