إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار .
( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) [ القصص: 10 ] .
مرة أخرى تتدخل رعاية الله .. إنها لو أبدت ما هي فيه من خوف وقلق لانكشف الأمر ، ولعرف عيون فرعون في أي بيت ولد موسى .. وعندئذ فقد يقع البطش بأهل البيت كله ومن فيه . ولكن الله يربط على قلبها بالإيمان .
إن الله هو الذي يربط على القلوب فتثبت ، وليس البشر من عند أنفسهم هم الذين يصنعون !
( وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ، وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ، فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ) [ القصص: 11 - 13 ] .
كل خطوة بتدبير من الله حتى يبلغ الأمر غايته المقدرة .
الرضيع - بتقدير الله - يرفض المراضع جميعًا ( وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ ) حتى يخشى عليه آل فرعون من الهلاك جوعًا . وفي ذلك الوقت تدفع أم موسى ابنتها - بدافع القلق عليه - لتتقصى أخباره . فتذهب الفتاة - ولا حرج عليها فإن فرعون لا يتعرض للنساء بالقتل بل يبقيهن إمعانًا في الفساد ! - فتبصر به في قصر فرعون فترشدهم - وهم لا يعرفونها - إلى أهلها ليرضعوه ويكفلوه !
وتتم الحلقة الأولى من القدر المقدور ، فيرجع موسى إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ، ولتعلم أن وعد الله حق !
وتبدأ الحلقة الثانية في قصر فرعون ، حيث يربى موسى كأنه أمير من أمراء الأسرة ، يعزز ويكرم ، ويؤتى له بالمعلمين والمثقفين ، ويعلم لغة قومه في بيت أمه ، ولغة فرعون في بيت فرعون !
ثم يدخل في مرحلة ثالثة تنقل خطواته - بقدر الله - إلى بعيد ..