بحسن تربيتها ، ففوجئ زكريا بأحوال منها غير معتادة:"كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا !"فهو يسعى إليها بالطعام فيجد الطعام فائضًا عندها ومتجددًا ! فعرف أنها مباركة ، وزاد ذلك من عطفه عليها ورعايتها .. ثم إن الله اصطفاها وطهرها .. ( وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ ) [ آل عمران: 42 ] .
فهي التقية النقية الطاهرة المباركة .. حتى لقد لقبها أهلها"أخت هارون"من شدة تقواها وصفاء سريرتها .
وبينما هي في عزلتها ، وهذه حالها ، يجيئها جبريل عليه السلام بهذا الخبر العجيب: إن الله سيهب لها غلامًا زكيًا ! وتذهل من المفاجأة وتضطرب لها اضطرابًا عنيفًا ، ويتمثل في خيالها ما يمكن أن يقال عنها فتدافع عن نفسها: ( أنّى يكون لي غلامٌ ولم يَمْسَسْني بشرٌ ولم أكُ بَغِيّا ) . فيقول لها الملك: كذلك ! إنه أمر هين على الله . إن الله يريد أن يجعل منه آية للناس ورحمة . ثم إنه لا فائدة في الجدل ! فهو أمر محتوم ! (وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ) .
هكذا تبدأ المعجزة بخلقه بغير أب .. بالمشيئة الربانية فحسب .. بغير الأسباب التي تعودها الناس في حياتهم .
نعم إن هناك سُنَّة جارية ، هي من أمر الله ، وقد جرت هذه السُّنة بأن يأتي النسل من لقاء الزوجين وإخصاب البويضة بهذا اللقاء ، بحيث لا يتكون جنين إذا لم يحدث للبويضة إخصاب .
ولكن مشيئة الله سبحانه وتعالى ليست مقيدة بهذه السنة الجارية ولو أنها من أمر الله ! إنما الله سبحانه وتعالى يخلق بغير أسباب . يقول للشيء كن .. فيكون ..
ونسمي نحن هذا الأمر خارقة ! لأنها تخرق ما تعودنا عليه من سنة الله الجارية . ولكن الإعجاز في الحقيقة قائم في هذه وتلك ! وإلا فمن الذي خلق البويضة في رحم الأم وجعل من خصائصها أن تنجب بعد الإخصاب ؟! إنه الله الذي يقول للشيء كن فيكون !