ومع ذلك يظل للخارقة وضع خاص في حسِّنا ، لأنها تخالف المألوف .. ويعلم الله ذلك منا ، فيجعل المعجزة دائمًا خارقة للمألوف ، لتلفت حسَّنا بشدة إلى الخالق الذي لا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض !
واقتضت مشيئة الله أن تكون كذلك ولادة عيسى عليه السلام ..
وإذْ تكون ولادة عيسى بغير أب معروف ، فإن مريم تكون حتمًا عرضة للاتهام !
بل إن أهلها هم أول من يوجه الاتهام إليها ! فإنَّ فضيحتها لن تكون خاصة بها ! إنما هي ستلطخ الأسرة كلها بالعار ، وهي التي ورثت التقوى وحسن السمعة جيلًا بعد جيل: ( فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ، يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ) [ مريم: 27 ، 28 ] .
وتتنزل رحمة الله بمريم ، التي تقبّلها ربها بقبول حسن منذ مولدها ، ورعاها وأكرمها ، واصطفاها وطهرها: تتنزل في معجزة جديدة لعيسى ، لا تقلّ إعجازًا ولا تقل روعة في الحس: ( فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ، قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ، وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ) [ مريم: 29 - 33 ] . ( وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ) [ آل عمران: 46 ] .
وتتوالى المعجزات في حياة عيسى .. ( وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) [ آل عمران: 49 ] .
ومع أن هذه المعجزات كلها قد جاءت تأييدًا لرسالة عيسى عليه السلام ، فإن الذين آمنوا به إيمانًا صحيحًا كانوا قلة قليلة سواء في أثناء حياته على الأرض أو بعد رفعه منها .