حرصهم على نتيجة المعركة ذاتها ، ويتحرونه في كل خطوة ، ويقيسون إليه كل حركة .. فهل يكفي أن نقول فقط: إنه قائد عظيم ؟!
فكيف إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد بذَّ في هذا الجانب أيّ قائد عسكري في تاريخ البشرية ، وهو جانب واحد من جوانب متعددة في شخصه الكبير ؟!
ولو أن إنسانًا نذر نفسه للعبادة ، حتى شفّت روحه وصَفَتْ ، لا ينسى ربَّهُ لحظةً ، ولا ينقطع ما بينه وبينه ، بل هو موصول القلب بالله أبدًا ، في صلاته وفي عمله ، فيما بينه وبين نفسه ، وفيما بينه وبين الناس ، فإذا هو مع الناس لطيف ودود ، وإذا هو في عمله متقن مخلص ، وإذا تقوى الله وخشيته تسيطر على تصرفاته كلها وتحكمها .
ثم لو أن هذا الإنسان قد استطاع أن يجمع حوله جماعة من العبّاد ، يربيهم على عمق الصلة بالله ، وعلى الذكر الموصول لله ، فإذا هم يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ، وإذا الإيمان بالله هو المحرك لأعمالهم وأفكارهم ومشاعرهم ، وإذا تقوى الله هي المقدمة في حسّهم على كل متاع الأرض وكل مغريات الأرض .. ألا نقول عنه: إنه روح عظيمة في ذات نفسه ، وإنسان عظيم بالنظر إلى ثمار غرسه من الصحاب ؟
هذه وغيرها جوانب من شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم ، بذَّ في كل جانب منها مَنْ تخصصوا لها ووهبوا أنفسهم لها على حدتها .. فكيف نسمي من جمع في شخصه الكريم هذه الشخوص كلها ، وكل واحد من بينها عظيم ؟!
على أن عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تكمن في اجتماع هذه الشخوص المتعددة في شخصه الكريم فحسب .. بل هناك درجة أعلى من العظمة ، هي أن هذه الجوانب كلها لم يشغله واحد فيها عن الآخر ! فعمل القائد السياسي لم يشغله عن عمل القائد الحربي ، ولا عن عمل المصلح الاجتماعي ، ولا المصلح الأخلاقي ، ولا عن عمل المربي ، ولا عن عمل العابد .. بل لم يشغله ذلك كله عن أسرته وزوجاته وبناته ، فكان نعم الزوج ، ونعم الأب ، ولو أن إنسانًا تفرغ فقط لمطالب أسرة في حجم أسرة الرسول