صلى الله عليه وسلم فعدل فيها عدله وأعطاها ما أعطى الرسول أسرته من الرعاية والحب ، ألا نقول: إنه إنسان عظيم ! فكيف إذا كانت هذه الأمور كلها لا يلهيه جانب منها عن الجوانب الأخرى ، وهي تنوء بالمختصين فيها ، المنقطعين عن الجوانب الأخرى ؟
فعَنْ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ - رضى الله عنه - يَقُولُ إِنْ كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - لَيَقُومُ لِيُصَلِّىَ حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ أَوْ سَاقَاهُ ، فَيُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ « أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا » [1] .
وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا صَلَّى قَامَ حَتَّى تَفَطَّرَ رِجْلاَهُ قَالَتْ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَصْنَعُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ فَقَالَ « يَا عَائِشَةُ أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا » [2] .. 0
ومع هذه العبادة التي يعجز عنها المنقطعون لها وحدها ، فهل طغى هذا التعبد على مهامه الأخرى صلى الله عليه وسلم ، فلم يعط القيادة السياسية حقها ، أو التربية الخلقية ، أو تربية المقاتلين في سبيل الله ، أو تربية أولئك الأفذاذ الذين كانوا قادة التاريخ في كل ميدان ، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وخالد وعكرمة ، وأسماء وسميّة .. ومئات غيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم ؟!
كلا ! وإنها لعظمات بعضها فوق بعض ، تجتمع كلها في شخصه الكريم ..
فإذا قسنا هذه الشخصية الفذة بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، فنحن على ذات المستوى من العظمات .
إن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وحياته وسيرته قد جمعت ما تفرق في الأنبياء الآخرين مما تميزوا به .
فإذا كانت حياة نوح عليه السلام قد تميزت بطول صبره على صد قومه مع عدم الانقطاع عن دعوتهم ، وإذا كانت حياة إبراهيم عليه السلام قد تميزت بحلمه وأناته ، والرفق في توصيل الحق إليهم ، مع الامتثال الكامل لأمر الله والإسراع إلى طاعته ، وإذا كانت حياة موسى عليه السلام قد تميزت بالقيادة الحكيمة التي ارتبط بها بنو إسرائيل حتى خرجوا من
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (1130 )
(2) - صحيح مسلم- المكنز - (7304 )