ومرة أخرى يلفت القرآن الحس إلى جانب آخر من المسألة، فإن المطر ينزل في صورة ماء عذب سائغ للشراب، فيظن الحس الغافل أنه ينزل على هذه الصورة من تلقاء نفسه! فيذكره القرآن بالحقيقة، إن الله هو الذى أنزله في صورته العذبة تلك رحمة منه بخلقه، وإنه لو شاء لجعله مالحا شديد الملوحة لا يصلح للشرب ولا لتنمية النبات. افلا يستحق الله الشكر على نعمته تلك؟
والإنسان يوقد النار وينسى قدرة الخالق من ورائها، حين يراها ميسرة بين يديه يشعلها حين يشاء. فمن أنشأ الشجرة التي تتوهج الشجرة التي تتوهج منها النار؟ اليس هو الله سبحانه وتعالى الخالق المنعم الوهاب؟ وما يصدق على الشجرة يصدق على غيرها من الأوان الوقود الموجود اليوم.. كله من عند الله.
ثم يذكر القرآن الإنسان بجانب آخر من المسألة: عن الله قد جعل هذه النار التي يوقدها الإنسان في الأرض تذكرة تذكره بالنار الكبرى التي تنتظره في الآخرة لو عصى الله، في ذات الوقت الذي جعلها متاعًا للمسافرين المحتاجين للدفْ ولما ينضجون عليه الطعام.
وينتهي السياق حين يهز الوجدان بذلك العرض كله بدعوة الإنسان ـ وهو في حالة تأثره وانفعاله الوجداني ـ أن يسبح باسم ربه العظيم، الذي أفاض عليه كل تلك الأرزاق!
( قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ( ) ، اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ ، وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) [ إبراهيم: 31 - 34 ] .