إعجاز الله القدير، إن الإنسان تعود أن يرى الزرع ناميًا ينتقل من مرحلة إلى مرحلة حتى تطلع الثمرة، فيظن - في غفلته- أن الأمور تسير هكذا من تلقاء ذاتها. وأنه لابد حين يضع البذرة أن تنمو حتى تخرج له الثمرة، وينسى أن الله هو الذى يخرجها له، من أجل ذلك يقول الله له: ( لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ، إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ) فلو شاء الله لم ينتبه أصلًا، ولو شاء كذلك أنبته ثم جعله حطامًا دون أن يثمر! ولو حدث ذلك لظللتم تقلبون القول بينكم، تقولون: غرمنا جهدنا ومالنا ولم يثمر الزرع، أو تقولون: وقع علينا الحرمان!
والإنسان يرى الماء نازلًا من السماء ولكنه يغفل - حين يتبلد حسه- عن أن الله هو الذى أنزله، فيتوهم أنه ينزل هكاذ من تلقاء نفسه، أو قد يصيبه الغرور كما وقع من الإنسان المعاصر الذى يعيش في الجاهلية الحديثة المسيطرة على الناس في أوربا مع كل ما عندهم من التقدم المادى، فيظن أنه هو الذى ينزل المطر من السماء؛ لأنه استطاع أحيانًا أن يلقى مواد معينة بالطائرات فوق السحب فيسقط المطر !
يغفل هؤلاء وهؤلاء عن الحقيقة، وهى أن الله سبحانه وتعالى هو الذى ينزل المطر في الحقيقة، بمشيئته وقدره، وبالسنة التى أودعها في الكون لتؤدى إلى تحقيق مشيئة الله وقدره. فإذا كان بخار الماء يتثاقل حين يبرد السحاب في طبقات الجو العليا، أو حين يصطدم السحاب بجبل مرتفع، فلا يعود الهواء قادرًا على حمله، فينزل في صورة مطر.. فمن الذى صنع ذلك كله؟ من الذى جعل هذا من طبيعة بخار الماء؟ ترى لو أن الله لم يودع بخار الماء هذه الخصائص أكان المطر ينزل من تلقاء نفسه حين يتكاثف؟! وإذا كان إلقاء بعض المواد على السحاب بالطائرات يؤدى ذات الهدف فيجعل بخار الماء يبرد فيتكاثف فينزل في الصورة التى يسمونها (( المطر الصناعى ) )! فهل كانت طائرات الأرض كلها، والبشر جميعًا يقدرون على شىء من ذلك لو لم يسخر الله الماء لينزل من السماء إلى الأرض بحسب سنن معينة أودعها فيه [1] ؟!
(1) - عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ أَنَّهُ قَالَ صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ « هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ » . قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ « أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِى مُؤْمِنٌ بِى وَكَافِرٌ ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِى وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِى وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ » صحيح البخارى- المكنز - (846 )
السماء: المطر -النوء: المنزلة من منازل القمر وكانت العرب تنسب المطر إليها