الوحي وإحياء الموتى ومحاسبتهم ؟! فإذا كان الجواب الذي يصل إليه العقل هو النفي ، فقد وجب الإيمان إذن ووجب التصديق .
وليس معنى ذلك أن العقل البشري يستطيع أن يحيط علمًا بكل شيء ، فإن له حدودًا لا يستطيع أن يتجاوزها مهما حاول . ولكن المعنى أن الإسلام قد دعا العقل البشري أن يعمل فيما هو متاح له ، ليصل إلى اليقين في تلك الحقائق الرئيسة الكبرى التي تكوّن أساس الإيمان ، وأن الإسلام قد تفرد بهذا بين الرسالات .
على أن المنهج الفكري الذي تتميز به هذه الدعوة الإسلامية لا ينحصر فيما يتعلق بأمور العقيدة ، بل يمتد فيشمل ميادين أخرى .
فإذا كان القرآن قد طالب العقل البشري بأن يتدبر آيات الله في الكون ليتعرف على الخالق الذي له ملك السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير ، فقد طالبه كذلك بالتفكر في تلك الآيات ليتعرف على السنن الربانية التي تحكم سير هذا الكون ، ليتمكن من استخدام ما سخر الله له في هذا الكون من طاقات: ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ) [ الجاثية: 13 ] .
( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ) [ الإسراء: 12 ] .
( يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ ) [ البقرة: 189 ] .
عن أَنَس قالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَيْثُ خَلَقَ الدَّاءَ ، خَلَقَ الدَّوَاءَ ، فَتَدَاوَوْا.." [1] 0"
وإنَّ أمثال هذه التوجيهات في القرآن والسنة التي لا تكتفي بطلب مشاهدة الأشياء بل تلفت النظر إلى عللها ، لهي التي بعثت الأمة الإسلامية تطلب العلم من مصادره التي كانت متاحة يومئذ ، ثم تنشئ من بعد حركتها العلمية الذاتية التي تتلمذت عليها أوربا فأنشأت نهضتها .. وكان أبرز ما فيها منهج المشاهدة والملاحظة والتجريب ، الذي يقوم على أساسه كل التقدم العلمي الحاضر .
(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (4 / 404) (12596) 12624- صحيح