ثم إنه من رحمته يجعل لهم هذا الدَّين من أجل مصلحتهم ثم يثيبهم - إذا اتبعوه - بجنته ورضوانه مكافأة لهم على العمل الصالح الذي عملوه"وكان الله شاكرًا عليمًا".
والإسلام - في معالجته للنفس البشرية ليرتفع بها إلى المقام اللائق بالإنسان - لا يجذب الإنسان جذبًا إلى أعلى فيمزق أوصاله ! ولا يفرض عليه المثل الأعلى فرضًا فيعجز عنه ! إنما يأخذخ خطوة خطوة يصعد به نحو القمة حتى تستقيم خطواته ويألف الصعود ، ثم يحبه ، ثم يحرص عليه !
إنما يفرض الإسلام فقط الحد الأدنى الذي تستقيم الحياة بدونه ، ثم يترك البقية للتطوع النبيل دون إكراه ، مع التحبيب المستمر في الصعود: ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ، قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ، الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ، الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ) [ آل عمران: 14 - 17 ] .
أرأيت كيف يعالج الإسلام النفس البشرية ؟ إن هذه الشهوات محببة إلى الناس كما تقرر الآية ، فهل حرمها الله في ذاتها ؟ كلا ! إنما رسم لها فقط حدودًا تكون حلالًا في داخلها ، حرامًا في خارجها . وتلك الحدود هي التي لا تصلح الحياة إلا بها ، فهي إذن مفروضة . ولكن الإسلام يحبب للإنسان أن يتخفف من هذه الشهوات حتى لا تصبح شغله الشاغل ، وحتى لا تشغله عن الجهاد في سبيل الله - وهو ضرورة - أو تصده عن الإيمان بالله فتضيع آخرته: فيقول له بادئ ذي بدء: ( قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ ) خير من الاستغراق مع هذه الشهوات ؟ الجنة بما فيها من نعيم خالد ورضوان . ولمن هذا النعيم ؟ هنا يرسم صورة جميلة شفيفة رائعة جذابة لعباد الله الذين يستحقون ذلك النعيم: إنهم الصابرون والصادقون والقانتون والمنفقون والمستغفرون بالأسحار .. صفات كلها نبيلة وحبيبة إلى النفس . والقرآن يشجع عليها بهذا العرض الرائق الجميل . أرأيت إن شغل