فهرس الكتاب

الصفحة 343 من 448

الإنسان نفسه بتحصيل هذه الصفات الجميلة ، أيعود يستغرق في الشهوات ؟! كلا ! إنه - من ذات نفسه - سينصرف عنها ، دون إحساس بالقسر ولا بالإعنات ، وما يريد الإسلام منه في الوقت ذاته أن ينصرف عنها انصراف الرهبانية المعنت ، إنما انصراف التخفف والترفع والرضى بالقدر الطيب المعقول ..

ويفرض الإسلام صلوات محدودة في اليوم والليلة ، ولكنه يحبب في النوافل: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِى وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِى بِشَىْءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِى يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِى يَسْمَعُ بِهِ ، وَبَصَرَهُ الَّذِى يُبْصِرُ بِهِ ، وَيَدَهُ الَّتِى يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِى يَمْشِى بِهَا ، وَإِنْ سَأَلَنِى لأُعْطِيَنَّهُ ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِى لأُعِيذَنَّهُ ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَىْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِى عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ » . [1] 0

وكذلك يفرض صيام شهر رمضان ، ولكنه يحبب في صيام النفل .

ويفرض الزكاة بمقادير معينة في المال ، ولكنه يحبب في الإنفاق في سبيل الله .

وهكذا يأخذ بيد الإنسان في رفق يحببه في الصعود حتى يحبه ويستقيم عليه ، فينطبق عليه هذا الوصف: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) [ فصلت: 30 ] .

أما التكاليف المفروضة فهي ذاتها فقد رُوعي فيها أن تكون في حدود الطاقة البشرية: ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) [ البقرة: 286 ] .

فإن عجز الإنسان عنها - عجزًا حقيقيًا لا ادعاءً ولا فرارًا من التكليف ( والله أعلم به ) - فإن الله يخفف عنه بمقدار عجزه ، ويوجهه أن يقول: ( رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ) [ البقرة: 286 ] .

ثم إن زلّ فإن الله لا يطرده من رحمته إلا إذا أصرّ ..

(1) - صحيح البخارى- المكنز - (6502 ) ، وانظر شرحه في كتابي (( الخلاصة في شرح حديث الولي ) )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت