فهرس الكتاب

الصفحة 373 من 448

وإنما وجهتهم في ذلك كله هي أوربا ، شرقها أو غربها سواء .. فكيف يطمعون أن ينصرهم ربهم وهم معرضون عن كتابه ، وأن يمكّن لهم في الأرض وهم مخالفون لشرطه ؟

لقد ابتلى الله إبراهيم عليه السلام ذلك الابتلاء الضخم الذي أبلى فيه بلاء حسنًا فكافأه الله على طاعته فقال له: ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) . وعندئذ أدركته رغبته الفطرية في أن يكون هذا العهد لذريته من بعده فيكونون أئمة للناس: ( قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) فماذا قال له الله سبحانه وتعالى في لحظة التقريب والتكريم والإعزاز ؟ ( قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) [ البقرة: 124 ] .

فهذه سنة من سنن الله الجارية التي لا تتبدل ولا تحابي أحدًا . إن الله لا يعطي الناس التمكين في الأرض لأنهم من ذرية قوم مؤمنين بل لأنهم هم أنفسهم مؤمنون . فإذا تخلوا عن شرط الإيمان الصحيح فلا ينفعهم يومئذ أن يكونوا ذرية لقوم مؤمنين !

ولقد عرض القرآن علينا سيرة بني إسرائيل بتفصيل كامل لكي لا نقع فيما وقعوا فيه ، وحذرنا من ذلك تحذيرًا: ( سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) [ البقرة: 211 ] .

فماذا كان من بني إسرائيل ؟ ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) [ الأعراف: 169 ] .

والأمة الإسلامية اليوم تقف في الموقف الذي حذرها الله منه . يتركون كتابهم من أجل عرض من أعراض الحياة الدنيا ويمنون أنفسهم بالأماني الفارغة ويقولون: سيغفر لنا ! لا جرم إذن أن يكونوا على حالهم الذي هم فيه ؟!

ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل .

لا يكفي أن ندعي الإيمان لنكون مؤمنين ! إنما لا بد لذلك من واقع سلوكي يصدّق هذه الدعوى ويحوّلها إلى حقيقة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت